آخر المشاركات

أحمر شفاه



بقلم د. فرح الخاصكي - صحيفة إنسان 

فلاشات .. أضواء تتسارع بشدة .. تتسابق كل العدسات لتوثيق الحدث .. و بعض اللقطات ستجلب الحظ لأصحابها و ستسلط عليهم عدسات أخرى ..
تلك الكاميرات على اختلاف أنواعها و جودتها ، فإنها تتنافس في انتزاع أنفاس الموقف و حرارته فتنقله ساخنا ، دافئا أو مشتعلا ..
لقطات الكاميرات اعتادت أن تلمح اللون الأحمر في كل شيء ، فالموت أصبح سهلا و متوفرا كقلم أحمر شفاه .. بل تتساوى الصور في التقاط إعلان مغري لأقلام أحمر الشفاه ذات الجودة العالية و الذي تعرضه سيدة طاغية الأنوثة تماما كرجولة الملقيين على الأرض هناك ، حمر الجباه كاحمرار الشفاه المكتنزة تماما ..
لكنهم يفضلون الأحمر في إغرائه على الموت ، فالموت يسد شهيتهم و يثير غثيانهم ليس إلا كأحمر شفاه رديء تستجدي به امرأة أنوثتها البالية ..

فلاشات .. أضواء .. تتسارع بشدة .. لكنها ليست ملونة كعدسات العيون التي تحتار الشركات باختراع ألوانها المدهشة ، ألوانها تلك التي تثير الفتنة و الجاذبية ، تلك التي تجعل الأعين القبيحة ، تتعانق أهدابها بفخر ، و بكل حسن و دقة ترسل نظراتها الجريئة و الواثقة ..
أما عدسات الثورة التي لا لون لها ، التي انطفأت على حين شهقة طويلة أطلقتها أمهات ثكالى ، لم تتوقف عبر أجيال .. لا زال صداها يرن حتى الآن و كأنها أورثتها لأمهات جيل اليوم ..

سيرقدون أمام الكاميرات بسلام بلا لون يميزهم إلا الأحمر الذي يشبه أحمر الشفاه لكنه سيثير تقززهم ، و سيقلبون الصفحة لأنها لن تثير اهتمامهم ، و سيحيا آخرون على أمل أن يعود الوطن .
أما هناك في العالم الآخر فستعلو أصوات كؤوسهم المطبوع عليها آثار الشفاه ، و ستطلق شفاههم الضحكات و فلاشات أسنانهم العاجية ستسطع بشدة ، و سيسيل لعابهم أمام ما لذ و طاب كمصاصي دماء لا يستطيعون كبح رغباتهم ، أما هم فقد رحلوا عن هذا العالم دون عدسات ملونة و دون شفاه مثقلة بأحمر شفاه ، بعضهم سيرحل دون جسد و البعض الآخر دون لحد ، و آخرون دون دماء ، هم سيرحلون دون الوطن ..



ليست هناك تعليقات