آخر المشاركات

الإنسان بين قلق الموت وأمل الخلود 2



بقلم أ محمد الساري – صحيفة إنسان

لو تناولنا إشكاليتا الموت والخلود في الفلسفة لوجدنا أنهما لا تكاد تغفل عنهما كتابات أي فيلسوف مهما كان اتجاهه ومذهبه الفلسفي، فمعلوم أن هذين اللغزين كغيرهما من الألغاز التي شغلت تفكير الفلاسفة والعوام على حد سواء ، تمتحنان قدرة العقل البشري على التصور والإدراك، فيستطيع الإنسان أن يتصور كل حالات الحياة ويصفها، ولكن قدراته الذهنية تقف عاجزة بل تنشل نهائيا عندما يحاول أن يصف حالة لا يمر بها ككائن حي( وهي حالة الموت) بل كجثة هامدة معطلة لا حراك لها، وكذلك يحتار العقل لدى محاولته سبر( ماهية الخلود) و كنهه، فلا يمكن للعقل أن يتخيل المكوث أبديا لمليارات القرون اللامتناهية من الزمن، لأنه هذا العقل ذو طبيعة محدودة الإدراك والاستيعاب لمثل هكذا قضايا غامضة ومبهمة..
وإذا بحثنا في وجهتي النظر الفلسفيتين (المادية والمثالية)، لرأينا أن الماديين يرون بأن كل شيء فان ،ما عدا ذرات المادة التي تتكون منها كل الأشياء فهي خالدة، بمعنى أن الإنسان كجزء من العالم المادي سيتعرض كأي شيء مادي إلى التحلل ومن ثم الفناء ،فالموت هو مصير الإنسان ، ولا تبقى إلا ذرات جسده التي ستتحول إلى طاقة أو إلى مادة أخرى وهكذا إلى مالا نهاية، وبالتالي عندما يموت الإنسان تفنى روحه التي هي ليست سوى وعي يتلاشى ويتناثر ليستحيل إلى عدم، فالوعي هو وظائف تقوم بها المادة عندما تتآلف وتتظافر لتكوين موجود معين كالإنسان، وتزول هذه الوظائف بزوال الأعضاء المادية التي كانت تقوم بها، إذا فالخلود عند الماديين هو خلود الذرات المادية التي تتحول من حالة إلى حالة..
بينما المثاليون من الفلاسفة فقد رفضوا هذه النظرة المادية، ورأوا أن ما يمثل ذات الإنسان هو الروح وليس الجسد، فالذي يفنى من الإنسان هو جسده لأن الجسد مادة والمادة قابلة للفناء، أما الروح فهي في طبيعتها جوهر بسيط أي غير مركبة من أجزاء لذلك في ليست كالجسد تتحلل إلى عناصرها المركبة منها، لذلك فالروح خالدة لأنها لا تقبل الفناء، وهذه الروح الخالدة هي وحدها التي يمكن أن تتصور لا نهائية الخلود، حتى وإن عجز العقل عن ذلك، فهي التي تحمل ذلك التعطش واللهفة والتوق إلى الخلود، أما أفكار الفناء والزوال فهي من تعاليم الجسد" سجان الروح" والذي ينال الفناء منه في كل لحظة...


ليست هناك تعليقات