آخر المشاركات

العنف في المجتمع 2



بقلم أ نصرة الأعرج - صحيفة إنسان

 قد تلوذ بالعنف النخب المسيطرة لتقهر به الأغلبية، أو تعتمده الأغلبية في قهر الأقليات بدوافع من عدم الاعتراف، ولا نعدم للعنف أسبابا ثقافية لها صلة بالمتخيلات الأدبية، وكيفية توظيفها في بناء الثقافات القومية على قاعدة من الرفعة والسمو، ويغدو العنف خطرا ماحقا، حينما تأخذ به مؤسسة الدولة وسيلة لبسط نفوذها وإرغام الآخرين على الأخذ بالأيديولوجية الخاصة بها، وبسط النفوذ للاستئثار بالحكم وبالثروة، ولا يستبعد أن تكون للعنف أسباب دينية تخلع عليه سمة التقديس من أجل إحقاق الحق، وإزهاق الباطل.
لم يقتصر دور الدولة على احتكار العنف بهدف صون الجماعة؛ لأنها أعادت توظيفه لتشمل به جماعات معينة من المناهضين لها في داخل الدولة نفسها، فالوظيفة الأساسية للدولة الحديثة تأمين الحماية لمواطنيها؛ أي إنها تحميهم من بعضهم، وتدافع عنهم ضد الأخطار الخارجية، ومع ذلك فقد تنكّرت الدولة لهذه الوظيفة، في كثير من الأحيان، واتجه عنفها إلى شعبها، وجل ما يلاحظ ذلك في سياق النزاعات الأهلية والعسكرية فالأشخاص الذين يبالغون في ممارسة العنف ضدّ أعدائهم يكونون قادرين على إبداء العواطف الإنسانية الدافئة، والاهتمام اللطيف تجاه جماعتهم، أليس غريبا أن يكون الجندي الذي ذبح مدنيين أبرياء مستعدا للتضحية بحياته في سبيل وحدته العسكرية، وأن يكون بمستطاع القائد الذي أمر بإطلاق النار على الرهائن أن يدبّج لعائلته رسالة مفعمة بالحبّ الصادق في الليلة نفسها؟ فهؤلاء متورّطون في تناقض شنيع؛ لأنهم ينتهكون القواعد الأخلاقية الداعمة للجماعة التي يتكلّمون لغتها، فحرمان أولئك الذين هم خارجها من الحقوق الأخلاقية المتاحة لمن هم في داخلها لا يتوافق مع أي وجود إنساني طبيعي. إنه انتهاك لنزوع الإنسان الأخلاقي العفوي، وهو أمر ينطوي على ظلم قاس، وإلغاء للذات. نعثر على أمثلة كثيرة من ذلك في آداب الحروب العالمية والقومية والوطنية، حيث تحتكر الدولة العنف، وتعيد توجيهه طبقا لمصالحها وأهدافها، وتجعل من مواطنيها وسيلة للنيل من خصومها بذريعة الدفاع عن السيادة أو الذود عن القيم الكبرى، وينتشي مواطنوها في التعبير عن زهوهم الوطني في التنكيل بالأعداء، والمبالغة في إيذائهم.

ليست هناك تعليقات