آخر المشاركات

النساء السوريات والواقع المُدقع



بقلم أ. صابرين علوش - صحيفة إنسان
الحرب .. هي أحقر لعنةٍ في الوجود , فالحروب لا تقتصر على فعلها العسكري والميداني فهي تُساهم بشكل أساسي من خلال الأزمات الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية في زعزعة المفاهيم السائدة في المجتمع ككل فلقد أدخلت المجتمع في دوامة العنف والحاجة المادية والاستغلال بكافة أنواعه  التي مثلما يغيبُ عنها التوثيق الدقيق لأحوال النساء تغيب تماماً دراسة النتائج المُترتبة عليها وانعكاسها على المجتمع بأكمله .
النساء السوريات هم اللواتي يحملن ثقل الحرب على عاتقهنّ , فهنّ ومعاناتهنّ ومشاكلهنّ ضحايا لشرائع الحرب التي تتوارى خلف القتل والتهجير والاعتقال اليومي ومشاهد الدماء وتحولهنّ الى ثكالى وأرامل الى أمٍ وزوج تنتظر زوج أو ابن أو أب غُيبوا في غياهب السجن أو حتى على جبهاتِ القتال , و أيضاً النساء في سوريا لهنّ نصيب كبير من الأرقام  في قوائم الموت , فبحسب تقرير شبكة حقوق الانسان بتاريخ 11/5/ 2017 حُصد ما يُقارب 25000 أنثى قتلت على يد النظام السوري الفاجر , لكن هذا ومع الأسف أقل المصائب حدةً فما أباحته الحرب كان أشد قسوة ووحشية بدءاً من زواج القاصرات  طلباً للسترة إذ هناك حصيلة كبيرة لفتيات أو يُمكننا القول طفلات باتوا عرائس ثَمينات تُتاجرُ بهنّ أسرهنّ , اضافة الى تعرضهنّ لإعتقالاتٍ تعسُفية واستُخدم معهنّ كافة أنواع العنف والاغتصاب فقد تم توثيق أكثر من 12 ألف حالة اغتصاب في أماكن الاحتجاز النظامية و الغير نظامية  , فالنساء السوريات هم اليوم جزءاً من الصراع ولقمة سائغة للانتهاك من قبل كل الذين فتحوا نيرانهم في وجهنّ .
رغم كل ما تعرضت له النساء من عنف من  قبل النظام وميلشياته الا أنهن على الطرف الأخر من الدوامة استخدموا كورقة لترهيب المجتمع واجباره على الخضوع , فما تعرضوا اليه في كنف النظام تعرضوا اليه على يد التنظيمات المتطرفة , وفي مسيرة الحرب الاغتصاب والتحرش الذي شكل هاجس خوف كبير عند السوريات في الداخل و مخيمات اللجوء فهو ليس هاجس بسبب غياب الأمن وحسب انما هو ترك بصمته على أجساد الفتيات والنساء تتكلم , والكارثة هي ما ترتب عليه ففي مجتمعاتنا المحافظة حالات الاغتصاب هذه  هي صدمة أخلاقية بالنسبة للمجتمع مما يعرض الضحية للتهديد بالقتل لرد الشرف أو الطلاق أو الزواج القسري والذي أوصل بعضهن للانتحار.
وفي المجتمعات التي مازالت متشبثة في قالبها التقليدي فإن  (العنوسة ) أي ارتفاع معدل تأخر الزواج عند الفتيات أدى الى مواجهة النساء الأحكام المسبقة واضافة الى الأحكام الشرعية التي تعيد صياغة واقع النساء الأرامل بشكل خاص والعازبات فموجب الصورة السلبية في العقل الجمعي " للمرأة بلا وصاية رجل " أدت الى دفع المحاكم الشرعية و رجال الدين الى التشجيع على تعدد الزوجات كونه الحل المناسب لحماية النساء , " أي فوق الموتة عصة قبر " .
بمحاولة لتجميل الوضع المأساوي للنساء السوريات تم تسليط الضوء على دور المرأة في الحرب وقدرتها على حمل الصعاب والمسؤولية على عاتقها في ظل غياب المعيل وقدرتها على القيام بأدوار لم يقمن بها من قبل فهن اليوم قوى عاملة وصناع قرار  في فرص كانت متاحة سابقا فقط للرجال وذلك لمواجهة أعباء الحياة والتي زادت الحرب من قسوتها في قلة الدخل الأسري  ولزيادة حضورهن كقوى عاملة يشاركن في صنع القرار .
ما وراء أخبار الموت والمعارك تضيق الهوامش المحكومة بسلسلة من المعايير الايديولوجية والتي تقيد  السوريات في سلاسل أكثر تعقيدا ومرارة م أعراف الحروب التي شلت قدرة المرأة على الفعل وجعلت نصف المجتمع أكثر تشتتا وتمزق وبعدا عن تحقيق ذاته .

ليست هناك تعليقات