في رحلة البحث عن وطن
بقلم د فرح الخاصكي –
صحيفة إنسان
في
رحلة البحث عن وطن ، تتعدد الطرقات ، و المعاناة واحدة . لا يدفع الثمن إلا
مواطنون جل هدفهم في الحياة أن يجدوا الأمان ، الكرامة و لقمة العيش .
"
متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا " قالها عمر ابن الخطاب
استهجانا و غضبا مما فعله ابن عمرو بن العاص ، حين اعتدى على خصمه بعد خسارته في
سباق الخيل ، و ما كان من عمر إلا أن أعطى المظلوم حقه باقتصاصه من ابن الحاكم ،
فأعطى السوط للغلام القبطي و قام بجلد ابن عمرو بن العاص حتى شفي غليله و أفرغ ما
في نفسه ، و ما كان ليمنعه حتى لو ضرب الحاكم نفسه ، لأن الظلم و الاستبداد الذي
وقع على الغلام ما كان إلا استنادا على سلطة والده الحاكم !
أما
اليوم يا خليفة المسلمين يا عمر بن الخطاب رضي الله عنك ، استعبدونا نعم ! لأننا
اضطررنا أن نختار الفراق ، و اغتالنا الجوع و العطش ، و قتل الصغير و الكبير دون
خشية لائم في الله . استعبدونا في أرضنا و حين سعينا في مناكبها ، اغتالوا أصواتنا
، استباحوا كراماتنا و أجهضوا أحلامنا .
كلمة
الحق أصبحت شديدة الصعوبة ، بعيدة المنال ، ترتجف خوفا قبل أن تغادر حناجرنا ،
فنغتالها بمرارة و نبتلعها دون كأس ماء !
استعبدونا
لأننا لا نخشى على أرواحنا بل على أرواح صغارنا و حرماتنا ، نخشى أن تداس كراماتنا
على مرأى من صغار لا تقوى أرواحهم إلا أن تتقيأ حزنا و خوفا ..
فرقونا
يا خليفتنا باسم الدين ، و اختلفوا بأحقيتكم في الخلافة ، و أنتم لم تختلفوا و لم
تتنازعوا السلطة فيما بينكم و كانت شورى ، و ها قد فرقونا باسمكم !
في
رحلة البحث عن وطن ، نشد الرحال ،نرتدي تاجا من التاريخ و عباءة من الأجداد ، و
نحمل في جعبتنا الكثير من الحكايا و البطولات ، الكثير من الشوق و الحنين ، و كلما
تقدمنا في رحلتنا الشاقة ، نضطر للتخلي عن شيء مما نحمل للتخفيف من وطأة الظلم ،
نرمي رداء الدين و نحفظ الباقي في قلوبنا في مكان موصد لا يستطيع أحد الوصول إليه
، نحرق التاريخ و الجغرافيا ، فتزداد لوعة الفؤاد بكاء على الأطلال ، لنضطر في
خطوة لاحقة أن نجتث هذا الجزء من الجسد و ما يؤلمنا من ذكريات لنتركها طريحة
الفراش تتألم حتى تموت ، فنرتاح من عبء حملها على عاتقنا !
لينتهي
بنا الأمر كدابة تهيم على الأرض لا يهمها إلا قوت يومها ، لنضطر يوما التخلي عن
أبنائها الضعاف واحدا تلو الآخر ، و نمضي وحيدون حتى تتطاير أشلاؤنا في السماء
باحثة عن وطن !

ليست هناك تعليقات