آخر المشاركات

اللامعقول وحداثة الوعي 1



بقلم د سامي إبراهيم - صحيفة إنسان

لكي يباع الغباء ويسوق الشقاء يكفي ان نجد لذلك صيغة. هكذا غنى الغرب سمفونية الحداثة على وجه القمر.
والشمس التي رافقت ابن رشد الى ان تجاوز وادي الشرق الكبير تركته في مغيب الغرب يغرق في التنوير ويتمتع بنعومة الحداثة السائلة.. جعلته يحاور الوجود بلغة الوعي، ولذلك يتعين علينا استعادة هذه اللغة ومنحها الكلمة من اجل الشهادة على جرائم التيار الظلامي الذي قام بتخريب روح العصر. فقد ظل سؤال الوعي مقلوبا لان العدمية مزقت الكينونة ولم يعد الوجود سوى مصدر للوهم والفزع.
   ففي عالم مشحون بظواهر الظلم التي تمزق كبد العاقل كما يتمزق قلب المؤمن من دلالات الفسوق والتفريط في المقدسات على مذابح الشهوات، يستهلك الضمير ويصبح العرى الفكري والأخلاقي سمة العصر بامتياز.
تحول العالم إلى لعبة كونية خطيرة تحكمها القوانين السائلة ونهايات اللايقين. استخدمت في ذلك آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب والفوضى والعدمية واللامعنى واللانظام. حداثة مجنونة تعمل في فضاءات اللامعنى تتميز بقوة التحرر من قيود التمركز، والانفكاك عن التقليد وما هو متعارف عليه، وممارسة الاختلاف والتفكيك والهدم والتشريح ، والانفتاح على الغير عبر الحوار والتفاعل والتناص، ومحاربة البنية والانغلاق والتكامل، وتعرية الإيديولوجيات، والاهتمام بالمدنس والهامش والغريب والمتخيل والمختلف، والعناية بالعرق، واللون، والجنس، والأنوثة، وخطاب المابعديات المفتوحة.
يتفق الفلاسفة الالمان على أن مشروع الحداثة لم ينته بعد، حيث يواصل هذا المشروع سعيه لتحقيق أهدافه ، حيث الدور الفعال لوسائل الإعلام. فكل شيء هو النص والصورة ، إقناع المشاهد بكابوس من عالم الخيال العلمي او العالم الافتراضي، فهذا العالم هو بمنزلة استعارة أو مجاز عن حالة الواقع.
كما ترتبط مابعد الحداثة بفلسفة التفكيك والتقويض، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت على الثقافة الغربية من أفلاطون إلى يومنا هذا. فهي موقف متشكك لجميع المعارف البشرية، وقد أثرت هذه المواقف على العديد من التخصصات الأكاديمية وميادين النشاط الإنساني.. كما تعد مابعد الحداثة عدمية تقوض أي معنى للنظام والسيطرة.... حداثة سائلة بمنتهى السيولة.
لذلك اعتمدت على التناص واللانظام واللاانسجام والنسبية، وإعادة النظر في الكثير من المسلمات التي تعارف عليها الفكر الانساني. ومن ثم، تزعزع ما بعد الحداثة جميع المفاهيم التقليدية المتعلقة باللغة والهوية.
هذا يعني ان نصوص مابعد الحداثة لا تتقيد بالمعايير المنهجية، وليست ثمة قراءة واحدة للنص، بل قراءات مفتوحة.
خاصة ان فكر مابعد الحداثة جاء كرد فعل على المقولات التي تحيل على الهيمنة والسيطرة والاستلاب. كما استهدفت مابعد الحداثة تعرية المؤسسات الرأسمالية التي تتحكم في العالم، وتحتكر وسائل الإنتاج، وتمتلك المعرفة العلمية. كما عملت مابعد الحداثة على انتقاد اللوغوس والمنطق عبر آليات التشكيك والتشتيت والتشريح والتفكيك.

ليست هناك تعليقات