آخر المشاركات

منتصف الليل



بقلم : فرح الخاصكي – صحيفة إنسان

نحب منتصف الليل .. لأنه هادئ .. و فيه عالم سري يلج إلى نفوسنا دون أن نشعر .. يتسلل إلى نفسنا الكامنة .. فيبعثرها ..

في منتصف الليل يحلو البوح .. شاعرا .. عاشقا .. حزينا .. متهجدا .. متعبدا .. فهو الوقت الأمثل .. ففيه سحر يجعل من الحكايات الموصدة بالنسيان .. تستعيد الحياة .. تبتلع الرمق الأخير و تتشبث به .. تمتطي الأحلام الموؤودة التي مر عليها الزمان .. و تفيض بالمشاعر و الأحلام التي يكبتها النهار خلف زيف الانشغال ..

في منتصف الليل تطفو الجراح العميقة .. لتنزف بشدة .. تبحث عن طبيب يسهر الليل و يداوي جراحها من غدر الصديق .. خيانة الحبيب .. أو إجهاض حلم ..
تتسلل القلوب من أجسادنا .. كعاشق يحن للقاء دمعة .. صادفها ذات فراق على ضفاف أمنية لفظها الحب على شاطئ الحزن .. لتعزف أجمل المقطوعات الخالدة ..
القمر و النجوم .. الوسائد المبللة .. و أعقاب قصة استنشقنا منها النفس الأخير و دسناها تحت أقدامنا أو هكذا كنا نظن .. تصحو كل يوم في منتصف الليل لتزيد صفحة في كتب المعاناة ..
لماذا في منتصف الليل تتجدد همسات المشتاق العاشق و المشتاق المعذب .. يصيبها الأرق .. و تخبو نارها كل ذات نهار ..

في منتصف الليل .. يتزايد الدعاء .. السماء قريبة .. نستطيع التشبث بها و التسلق إلى ما لا نهاية .. فحبل الدعاء طويل .. و كلما ارتفعت فيه ازددت سعادة ..
في منتصف الليل .. نبوح لانكساراتنا بالتقصير .. بالخذلان .. وبالخيانة .. لأننا في وضح النهار نخشى المواجهة ..

سندريلا .. أميرة منتصف الليل .. التي حولتها جنية الحب .. إلى اميرة بلمسة عصا سحرية .. تزول عطاياها مع منتصف الليل .. مع دقات عقارب الساعة المتجهة إلى الثانية عشر .. تعلو دقاتها .. يتغير المصير .. و يتلاعب القدر بالأحلام .. و تتلاعب الأحلام بالمشاعر ..
لقد تعودنا ارتداء ثوب زاه في النهار .. و آخر قاتم في الليل يعكس انكساراتنا التي لا نستطيع البوح بها .. نظن أننا نتلاعب مع الحياة .. فلا تتريث الحياة لترد لنا اللعبة بحقيقة قاسية ..

الحياة كالأم حين تقسو على أبنائها خشية عليهم من السقوط تحت وطأة الحياة و تقلباتها .. تخشى عليهم من وحدة الليل و الشعور بالذنوب المرتعشة بردا أو حرارة .. و حين تأخذنا الحياة بزيف ما نرى .. نصحو على صفعة قد تصيبنا بالدوار المؤقت أو الأبدي .. و أحيانا فقدان الذاكرة أو الانفصال عن الواقع ..

لو أن سندريلا لم تتبع إرشادات الجنية .. و لو لم تحترم قوانين منتصف الليل .. لما احتفظت بصورتها المبهرجة الخلابة التي غيرت أقدارها .. و لما فقدت حذاءها اللامع .. الذي جعل لعبة الحظ تتراجع .. لتصيبها أقدارها الجميلة .. فتتحول سندريلا بعد منتصف الليل من الخادمة إلى الأميرة ..

هي لعبة لا بد أن نلعبها بذكاء و احترام لقوانين الحياة و الوقت .. لكي لا نضطر أن نمضي بقية حياتنا في كنس مخلفات الذكريات التي يتركها أصحابها في أرواحنا .. ظنا منهم أنهم يملكون حق القرار في الرحيل أو البقاء .. بل نكون كسندريلا نحترم الوقت و نعرف متى يجب أن ننسحب .. لكي نبقى أصحاب القوة و القرار ...





ليست هناك تعليقات