JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

-->
الصفحة الرئيسية

في منتصف الطريق



 بقلم الكاتبة العراقية د. فرح الخاصكي - صحيفة إنسان


لقد كان بمثابة منتصف الطريق لأولئك الذين غادروا و أفلتوا أيدينا عمدا ، رحلوا دون مقدمات ، نهايات أو حتى انحناءات ، ظنا منهم أننا ابتعلنا ذلك الوهم المغلف برداء التضحية ..

فلسفات المودعين الفارين من طوق الوفاء تشدقت كثيرا حتى طالت عنان أحلام فأفسدت شبابها ، و حطمت سرادقها حتى ضاعت ، و تبعثرت الأمنيات و هطلت دموع كالمطر ، لكنها لم تبللهم ، كانت مظلتهم كبيرة جدا ، تمنعهم من الامتنان ، العرفان و الوفاء ..

لقد راودهم الكثير من التيقن في أن ابتعادهم سيكون بمثابة حياة جديدة لهم و نهاية الحياة بالنسبة إلينا ، ليتبين لهم كم كانوا مضللين ، و كم كان قرارهم أحمقا لا ينم إلا عن أنانية مفرطة ..

حين كنا ننصاع لرغباتهم المتتابعة ، لم يكن ذلك إلا طيبا خليقا بالذكر ، زيننا به أرواحنا ، و ارتقى به صبرنا على من كانت كل عطاياهم زائفة و كل كلماتهم كالجرح الذي لا نحس بألمه و حراراته المتقدة إلا بمرور الوقت ..

لقد رحل الحاضرون و بقي الغائبون ، حضرت الابتسامات المتجملة ، و بقي عبق الراحلين قسرا ، كل ما ظننا أنه حقيقة كان وهما ، إلا أن الوهم الحقيقي الوحيد و الحقيقة التائهة و المتفردة التي يتوجب أن نتشبث بها هي " أنا " ، بصيغة الماضي و الحاضر و المستقبل التي تلازم فاعلا يتغير لكنه لا يتلاشى لأي سبب من الأسباب ..

إننا في هذه الحياة تعودنا أن كل شيء يشبه الحقيقة الأم ، أن كل شيء يتغير و يتقلب ، و لكل شيء موسم للذهاب و العودة ، هم كذلك لهم مواسم للرحيل و للحضور ، تستمر الحياة بهم و من دونهم ، لكننا نحمل في قلوبنا من لا تتبدل عليهم المواسم ، نحافظ عليهم من كل تقلبات الكون و البشر و النفوس ، من اهتراءات بلينا بها تتعلق حول أرواحنا فتصيبها أقدارنا بسهم يخترق كل صفحات الكتاب دون أن ينزف جرحه ..

و في نهاية الطريق ، أو بداية الطريق الآخر ، يتبين أن ما ظنناه صعبا كان يسيرا ، و أن ما تملكنا من رهبة الزوال كان أهون بكثير من لحظة لقاء محض صدفة ، و أن الموت الذي ظنناه قدرا في فراقهم ، كان عودة للروح التي سلبها من لا يستحق !

الاسمبريد إلكترونيرسالة