آخر المشاركات

أبي ليس من المريخ!



بقلم الكاتبة العراقية د. فرح الخاصكي - صحيفة إنسان

في قراءتي لكتاب "الرجال من المريخ و النساء من الزهرة" ، أحد أكثر الكتب مبيعا في العالم و الذي بيع منه ملايين النسخ بمختلف اللغات ، أيقنت مجددا بأن الشهرة لا ترافق الأفضل بالضرورة ، و أن الكتاب الذي ترجم للغات كثيرة لم يستطع أن يتعرف على لغات الشعوب التي لا تحيا كما الشعب الأمريكي بمشاكله اليومية البسيطة التي تفتقر لمسمى المشاكل بمعناه الحقيقي ..
و الذي يثير دهشتي أن الكثيرين أبدوا إعجابهم و استفادتهم من هذا الكتاب الذي لم أستطيع أن أطال فائدة واحدة منه غير أن عنوانه كان يجذب انتباهي في كل مرة يمر على مسمعي أو نظري فيغريني بقراءته ..

سيد "جون غراي" أدعوك لتتعرف على أبي الرجل الذي يمثل فئة كبيرة من الذين لم تتناولهم في كتابك ، لأنك لو وصلت إليهم لكتبت العديد من المؤلفات بعناوين أكثر إثارة و أكثر مبيعا ..
أبي الرجل الكريم جدا ، المحب جدا ، الرجل الفاضل في المدن غير الفاضلة ، الذي يمنحنا الحب الذي لم يمنحه إياه أحد ، الذي ينشر السعادة رغم ألمه ، الذي حارب لأجل ألا يتنازل عن مبادئه ، انتماءاته أو ذرة من كرامته ، الرجل الذي عاش الظلم في وطنه و غرباته الكثيرة و المعقدة جدا التي لم تتعرف عليها بعد شعوبكم المصابة بداء الرهاب من شعوبنا ، هل لك أن تقابل رجلا مثله يتيما في طفولته كريما في شبابه متفوقا في عمله ، طبيبا للقلوب قبل أن يكون مداويا للمرضى ..
تساءلت لو أن أحد أفراد مجتمعكم كان يعيش مثل رجالنا هل كان سيخرج من تجاربه معافى و قادرا على العطاء و الحب و السلام و أن يمضي دون عقد كثيرة و مشاكل نفسية مرعبة تستدعي زيارتك ؟
هل كان في سيدخل الكهف الذي حدثتنا عنه لأيام فقط ليعود من جديد أم انه سيمضي بقية حياته في كهف لا ضوء فيه ؟!
في أوطاننا الرجال لا تستطيع الكتب أن تشرح معاناتهم ، لا يستطيع أن يشرح المعالج النفسي كيف يشعرون بعد أن يمروا بسلسة لا تنقطع من التجارب الحياتية القاسية و الفقد اللا نهائي على الصعيد النفسي الوطني و المادي ..
أوطانكم التي تعطيكم الأمان في كل شيء حتى في حالاتكم النفسية الساذجة جعلت من مشاكل شعوبكم ضربا من الطيش و التمرد الناتج من ممارسات سيئة للحرية في غير محلها ، بينما أوطاننا تتسابق في هدم ما تبقى من الرجال الأبطال ..
فعذرا جون غراي .. أبي ليس من المريخ !

ليست هناك تعليقات