آخر المشاركات

عندما رحلنا..



بقلم أ نصرة الأعرج - صحيفة إنسان

منذُ أن جمعت بعضًا من ملابسها في كيس خشٍ صغير، ومؤنة تكفي ليومين لتلقي نظرة الوداع الأخيرة على بيتها، الذي كان يعج بالدفء وهي تنتظر على بقايا الرصيف، علمت بأن السيارة القادمة التي أتت لتأخذها ستزرع الطريق خلفها بالألغام كي لا تعود.
قبل أن تصعد ركب النزوح نظرت نظرة مطولة خلفها دون أن تذرف الدم، الذي كان يحتجز مقلتيها, ثم عادت بذاكرتها إلى تلك القبلة اليتيمة والتي قطفتها على أشلاء ما تبقى من ابنها، وأحرقت النصف الآخر و كل القبلات القادمة في فمها .
كأسُ الشاي الرديء الذي شربته في ليل شتاء معه, قبل آخر خروج له، وأحداث في رأسها؛ جعلتها تبكي تارة وتضحك أخرى, ثم عجزت عن فتح عينيها على آخر حركات شفاهه وهو يودعها، وكأنه يعلم بأنه اليوم الأخير! لكن يقينها جعل كل ماء الأرض مشروع شاي قائم.
كل ما بقي لها من تلك الذاكرة قميصه الممزق، الذي ما زال يمنح الدفء لها، ويذكرها بهمساته وكلامه وشوقه، ودموع عينيه وقت الرحيل؛ وهي تتأمله قربها و كأنها تعلم بعودته لكن هذه المرة العكس بأنها الأخيرة التي سترى فيها تفاصيله و ملامحه و وجنته  الصغيرة الممتلئة .
تصعد هذه المرة كغيرها, ركب النزوح بذهول مضني؛ تحدث نفسها؛ هل أنا بطريق آمن؟ هذه المرة إلى أين سنرحل؟ .

ليست هناك تعليقات