حدث في بلدي ..
بقلم أ هادي حاج قاسم
- صحيفة إنسان
أجلس
كعادتي فوق سريري وأحاول أن اتنقل بين الأخبار لعلي أجد ضالتي ومبتغاي بأحد التصريحات التي ظننتها ستنزل كالثلج على صدري وتهدأ من روعي بعد موجهة القصف الغير
مسبوقة مؤخراً, تناولت هاتفي الجوال وبدأت اقلب خبراً
تلو الخبر... بانتظار موعد الإفطار الخبر الاول تصعيد روسي غبر مسبوق والضحايا
مدنيون بين الأنقاض..!!!انتهى الخبر ، وزارة الدفاع الروسية تؤكد استمرارها
بالغارات على ادلب حتى يتم التوقف عن قصف مطار حميميم بالطائرات المسيرة !!!انتهى
الخبر... وأنا أجول ناظريّ بين الأخبار استوقفني خبر استشهاد الطفلة شهد من كفرعويد اثناء انتظار
أذان المغرب في منزلهما.!!!.... (شهد) ظننت أنني سمعت بهذا الاسم من قبل ثم سمعت قرية كفرعويد... توقفت الحياة بي للحظة ثم
تذكرت هذا الاسم وانا اقلب الخبر أردت ان أقرأ بسرعة واتجاهل صوراً كانت قد انتشرت
لاسم هذه الطفلة الشهيدة كي لا أصدم .. اقرأ الخبر بنوع من الخوف وأقول يارب يكون
الخبر كاذب
فإذا
ب عيني تطبق بصرها على صورة (شهد) الطفلة
الهاربة من طائرات الموت باحثة مع أهلها عن الأمن لتأوي عائلتهم ... تذكرت كيف خرجت حين متطوعاٍ لتوزيع وجبات إفطار الصائم
البارحة وكانت واقفة على الدرجة الاولى من هذا الدرج العريض الذي يربط الطريق برأس
الجبل وعلى جانبيه منتشرة منازل تأوي فيها ماتيسر من الأهالي والبشر
النازحين...كذبت الخبر للوهلة الأزلى ولكن عندما رأيت صورتها واسمها تذكرت انني
البارحة عند التوزيع سألت على هذه الطفلة التي تنتظر كعادتها عند الدرج فقالو أنهم
عادوا أدراجهم من حيث جاؤوا أي عادو الى قريتهم... استوقفني جمالها الملائكي
النادر وكأنها لوحة للموناليزا تحمل في ملامح وجهها براءة الطفولة ونضج الواقع
المر الذي اشعرها بمعنى ان تترك منزلك
وتهاجر لأي مكان باحثاً من مأوى من جحيم الطائرات والموت...
كانت
طفلة ذو عينان خضراوان كاخضرار الربيع بعد الشتاء ... وكانت عيناها الحزينتان التي
تشعر أثناء النظر إليهم كأنك تحمل أثقال
الدنيا على عاتقك النظر في عينيها كفيل بأن
يجعلك تشعر ما في قلب هذا الطفلة من خوف ورعب من القصف والطيران وألم
من المناظر الشنيعة التي رأتها بين الجثث وهي تخرج من منزلها باحثةً عن
الأمان في مناطق أخرى... عندما جئت في المرة الاولى كنت أمسك الوجبات وأعطيها
إياهم وهي واقفة بدون حراك تنظر إليّ نظرة خجل وتقول (الله يرزقكن ياعمو) قلت لها
ما أسمك فقالت: شهد , كم عمرك 10سنوات ياعمو, من
وين انتو ياعمو نحن نازحين من كفرعويد( أحدى مناطق جبل الزاوية )وغادرت وقد ارتسمت
ضحكة ساحرة على شفتيها ولمعت عيناها بدمعة حزنٍ تصيب قلبك بكسرٍ وحزنٍ شديد قد
أضاعت فب تفاصيلها تفاصيل لوحة الموناليزا..
لم
أتخيل يوماً أن يصبح هذا الجمال خراباً وتصبح هذه الطفلة الجميلة المليئة بالمشاعر
والعواطف والأحاسيس وكل هذه الدرجة من
الوعي الى جثة هامدة هكذا،
ماذا كان شعورها يا ترى حين كانت جالسة مع أهلها
على مائدة الإفطار و تنتظر آذان المغرب لتفطر وفجأة يقع عليهم السقف ويسود صمت
وظلام دامس ورائحة غبار خانقة وثقل جاثم على صدورهم ليخنقهم كالموت ، وأسياخ الحديد تغرس في
أجسادهم نازعةً أرواحهم رويداً رويداُ ، هل كانت خائفة ام متيقنة من الموت؟ لقد
عاد أهلها الى نفس المنزل بعد أن ودعوا ملاكين من ملائكة أهل الشام في قبورهم
وغادروا بدونهم.
عادو
ولكن بدون هذه الطفلة التي تقف وتنتظر على الدرج لتأخذ وجبتها اليومية.. حين
أمر من هذا المكان أشرد بخيالي قليلاً وأتخيلها واقفة على الدرج تنتظر هذه الوجبة
الرمضانية لإفطار الصائم... ودائماً أقول في نفسي لقد كانت واقفةً يوماً ما في هذا
المكان من الدرج ولكني لن أعد أراها بعد الآن .


ليست هناك تعليقات