الحرية الفكرية والثورات التاريخية 1
بقلم أ محمد الساري –
صحيفة إنسان
"رأيت
الإمبراطور, روح العالم, على حصان..."تلك مقولة الفيلسوف الألماني هيجل
,والذي يمثل ذروة التطور الفلسفي في تاريخ الفلسفة
ولست
بصدد سرد فلسفته ,ولكن سوف أحاول أن أتكلم
ببضع كلمات حول هذا القول, وهو قول تم نطقه حرفيا عندما رأى هيجل الإمبراطور
الفرنسي نابليون عيانا وهو يمتطي حصانه ويدخل غازيا بلد هيغل (ألمانيا) ولشدة نضجه
الفكري وإيمانه بالفكر وسيلة مطلقة في حركة سير العالم بمنحى تطوري مستمر باتجاه
الفكرة المطلقة(التي هي كمال التطور المعرفي البشري) والتي سينتهي عندها (الجدل
الفكري) وهو صراع الأفكار الدائم الذي يتمخض دائما عن فكرة جديدة هي أكثر تطورا
,هذه الفكرة الجديدة تحمل معها البشرية إلى وضع أفضل وأكثر تطورا....هذه خلاصة فلسفة
هيغل ولأنه يري أن الصراع(الجدل) هو أساس الوجود ,لذا نراه يتغزل وينتشي فرحا
عندما يرى قائد الجيوش الفرنسية وهو يجتاح بلده, بالطبع هو لايريد أن يحتل نابليون
بلده ,فهو ليس خائنا ,ولكنه نظر إلى هذا الحدث من زاوية أخرى ,نظرة فلسفية إلى
جوهر الحدث, وليس إلى ظاهره فالظاهر للألماني العامي أن احتلال بلاده هو شر
مستطير, وكذلك بالنسبة لهيغل, ولكن الفرق أن هيغل ينظر إلى هذا الحدث بتجرد على
أنه حركة التاريخ التي تتمظهر على شكل غزو عسكري وتتجوهر على شكل تمازج فكري ,فقد
كان يتصور ويعتقد أن نابليون عبارة عن العقل الفرنسي وقد امتطى حصانا ,هذا العقل
الذي يحمل كل التجربة الفكرية الفرنسية الخصبة والخلاقة(الثورة الفرنسية). كان
مؤمنا أن نابليون جاء على حصانه وهو يحمل كنزا فكريا فرنسيا ليهديه إلى الشعب
الألماني كان يرى بنية الحدث وجوهره وليس ظواهره التفصيلية التي لا تحمل معنى, أما
المعنى هو أن التاريخ قد خطى خطوة للأمام ,فالتاريخ عقلاني أي يسير عبر تحول الفكر
من حال إلى حال أفضل عبر الصراع وهو مايسميه ( الجدل التاريخي) .
الملاحظ
أن الكثير من الذين يتحدثون عن الثورة السورية يستذكرون بشكل أو بآخر الثورة الفرنسية, يحدث صراع الآن في سوريا وهو صراع اقتضته الحتمية
التاريخية وليس للأفراد دور فيه إلا كأدوات اقتضتها هذه الحتمية والتي تمثل إرادة
الله, فهل لنا أن نتلمس جانب عقلاني بناء وإيجابي تحت هذا الرماد الذي خلفته الحرب
على غرار ماكان يفعل هيغل أم أن ظروف الثورة السورية هي تختلف عن ظروف الثورة
الفرنسية؟ الحقيقة أن التشابه بين الثورتين هو عالمية كل منهما, ولا أقول أن هناك
ثراء فكري للثورة السورية على غرار الفرنسية ولكن دورها مؤهل لتغيير مفاهيم النظام
الدولي الفاسدة بفضل مناخ العدوى الثوري والذي ساد أرجاء العالم كله, والذي أجبر
الدول العظمى للتدخل فورا ووأد هذا الفيروس بمكانه.

ليست هناك تعليقات