آخر المشاركات

بين التطرف والإرهاب



بقلم أ. نصرة الأعرج – صحيفة إنسان

من أهم ما يواجه عالمنا المعاصر ظاهرة الإرهاب و مما زاد من تأثير هذه الظاهرة الزخم الذي تتناوله وسائل الإعلام بشأن هذه الظاهرة التي تمثل جرائم نوعية تهدد الإنسانية جمعاء، وعلى الرغم من المآسي التي عانتها البشرية من جراء ويلات الحروب التقليدية، باتت تلك الجرائم ذات الوقع الحاد على النفس البشرية
فالتطرف بأنواعه الديني و الفكري يمثل أحد أكثر القضايا التي تؤرق المجتمعات الدولية، وتشكل تهديداً خطيراً لنمائها واستقرارها وتطورها ويعد السبب الرئيسي لتفكك وتمزيق المجتمعات وأساس العنف والإرهاب وتكريس لآليات التخلف فمفهوم التطرف من المفاهيم التي يصعب تحديدها، نظراً لما يثير مفهومه من المعنى اللغوي للتطرف، وهو تجاوز لحد الاعتدال النسبي لاختلافه من مجتمع إلى آخر وفقاً لنسق القيم السائدة في المجتمع فما يعتبره مجتمع من المجتمعات سلوكاً متطرفاً قد يكون في نفس الزمكان مألوفا في مجتمع آخر.
والتطرف قد يكون دينياً أو طائفياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً.
والتطرف الديني يمكن أن يكون إسلامياً أو مسيحيا أو يهوديا أو هندوسيا أو غيرها، كما يمكن أن يكون علمانياً، حداثياً، مثلما يكون محافظاً وسلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبررات التي يتكئ عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين أو خارجاً عليه أو منحرفاً عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.
أما الإرهاب، فإنه يتجاوز التطرف؛ أي إنه ينتقل من الفكر إلى العمل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف إرهاباً، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس واضطراراً من أجل الحق ومقاومة الظلم وكل إرهاب تطرف، ولا يكون الشخص إرهابياً إلا إذا كان متطرفاً، لكن ليس كل متطرف إرهابياً، فالفعل تتم معالجته قانونياً وقضائياً وأمنياً أما التطرف، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة، و الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإن كانت قضايا التطرف عويصة ومتشبعة وعميقة، وخصوصاً في المجتمعات المختلفة، كما أن بعض التطرف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرض على الإرهاب، بما فيه عن طريق الإعلام بمختلف أوجهه.
فالتطرف نموذج قائم على مر العصور والأزمان، و نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوعة ، ويعني فيما يعنيه ادعاء الأفضليات ، فالأنا أفضل من الأنت، والنحن أفضل من الأنتم،
وديني أفضل من الأديان الأخرى، وقومي فوق الأمم والقوميات الأخرى لدرجة الزعم بامتلاك الحقيقة وتلك هي المنشأ للتعصب والتطرف والعنف والإرهاب.
ولا يمكن القضاء على الفكر المتطرف والتكفيري ما لم يتم القضاء على التعصب وزعم امتلاك الحقيقة. ولا يمكن القضاء عليه بالعمل العسكري أو المسلح أو مواجهة العنف بالعنف ، عنفان لا يولدان سلاماً، وظلمان لا ينتجان عدالة. فالأمر يحتاج إلى معالجة الظاهرة اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتربويا ودينيا وقانونيا ونفسيا، خصوصا بالقضاء على الفقر، وتحقيق العدالة والمساواة، وبالتالي خلق بيئة مناسبة لقيم السلام والتسامح واللاعنف، وحل الخلافات بالحوار والتفاهم والمشترك الإنساني. وهذا يتطلب تجفيف منابع ومصادر التطرف و الإرهاب ، لاسيما بالقضاء على أسباب التعصب.
والإرهاب داء تقتضي مواجهته و استهداف أسبابه، وتحصين المناعة الفكرية منه ومن الوجهة القانونية يعد كل من الإرهاب والعنف جريمتان تستهدفان ضحايا، لكن هدف الجريمة الأولى يختلف عن الجريمة الثانية، فجريمة العنف تندرج تحت لواء القانون الجنائي ضد أفراد أو جهات محددة، في حين أن جرائم الإرهاب تحتسب على الجرائم ضد الإنسانية، وهي جرائم جماعية وجرائم إبادة وتحكمها قواعد القانون الدولي الإنساني، إضافة إلى القوانين الوطنية.
فلا بد لنا من الفكر النقيض الذي تحتاجه مجتمعاتنا، لكي تتجاوز التطرف والإرهاب و الاعتراف بالآخر على قدم المساواة، و الإقرار بالتعددية والتنوع، و نبذ التمييز بجميع أشكاله، والاعتراف بمبادئ المساواة.

ليست هناك تعليقات