آخر المشاركات

كل عام ..



بقلم : فرح الخاصكي – صحيفة إنسان
كان يومًا عاديًا يمر علي عبر سنوات طويلة .. لا أكلف نفسي عناء الاحتفال به بشدة عدا عن مشاهدة احتفالات دول العالم عبر التلفاز باختلافات التوقيت .. و أنا مسترخية .. أتنقل بين هنا و هناك عبر الريموت كونترول .. أجوب العالم بكبسة زر و أرى جمال ما يحدث .. أشجار كبيرة ملونة بالأمنيات .. ألعاب نارية براقة ترش الاماني بتعويذة الحظ السعيد السحرية .. في حين تضج القنوات باستضافة علماء الفلك و المبصرين لكشف المستور .. و توخي الحذر من الحظ المتعثر .. هكذا بكل بساطة .. العالم بين يدي و أنا في قلب العالم ..
منذ أعوام أصبح ليوم رأس السنة طعم مختلف .. كانت أختي قد ولدت ابنتها الاولى في الحادي و الثلاثين من شهر ديسمبر و كان احتفالنا برأس السنة مع الطفلة الصغيرة و كنا لازلنا ننتظر ولادة طفلي الأول بفارغ الصبر ..
و منذ ذاك الوقت أصبحنا في كل عام نحتفل جميعا بعيد ميلاد "رند" و ننتظر حتى الثانية عشر بمنتصف الليل للتهنئة بالعام الجديد .. ونقضي الدقائق في العبور بين عامين في الخروج لأقرب نقطة ممكنة من برج خليفة في دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة ..
كنا قد اوهمنا الطفلة الصغيرة ان العالم يحتفل بها كل عام في ميلادها .. فصدقت و صدقنا معها تلك الكذبة الجميلة .. و اصبح برج خليفة في كل عام يبدع بألعابه النارية لأجل رند فقط ..
و مع الاعوام تزايد الاطفال في عائلتنا .. كنا نروي لهم ذات الحكاية .. و حين كبروا أكثر بدأ الاحتجاج .. فلم لا يكون احتفال أعياد ميلادهم كاحتفال العالم برند ..
ابني الذي كبر .. و كان يريد احتفالات كرند تضيء السماء .. أخبرته أن في قلبي حب كبير يضاهي الحياة .. ينمو كل يوم .. يتوغل في روحي ..و أن ميلاده هو رأس السنة الجديدة بالنسبة لي .. أخبرته أني بكيت كثيرا في انتظاره .. و أني جندت كل كريات دمي الحمراء و البيضاء و الصفائح الدموية لتطلق العابها النارية فتشعل فؤادي حبا و غراما في ميلاده ليضطرب تخطيط قلبي صعودا و نزولا و بدون انتظام .. أخبرته أني صليت كثيرا و دعوت الله كثيرا .. لينعم علي بوجهه الجميل ..
ذات مرة سال أحد الاطباء الزملاء ولدي حين كان في الثالثة من عمره .. "حسن إنت من فين?" أجابه بكل عفوية و ثقة "آني من بطن أمي" .. ذبت حبا و هياما .. رقص قلبي غراما .. يا ولدي إن كنت اعتبرت رحمي موطنك .. فروحي هي البساط الذي سيحملك حتى آخر العمر .. فأنت أعوامي و سعادتي .. حبك لون حياتي و رصعها بالضحكات .. حبك اعطاني عمرا جديدا اعيشه لأجلك .. فانا و روحي و قلبي و عقلي و كل حواسي و جوارحي اتفقنا أن نحتفل كل يوم بوجودك .. فأنت العام الجديد و الأعوام القادمة ..
منذ ذلك اليوم توقف عمري و أصبح يانعا نضرا كجمالك .. أنا لا أشيب لأني أملك إكسير الحياة بين جفنيك .. و أنت الماء فقد جعلت بي كل شيء حي ..
في بداية كل عام كل ما علي فعله أن أنصب شجرتي الجميلة و أعلق عليها عطايا الرحمن التي منحني إياها عاما بعد آخر .. أفتح فوهة النسيان الضخمة كالثقب الأسود الذي يتمتع بجاذبية عالية لتقوم بسحب كل الذكريات السيئة و الطاقات السلبية التي خلفها العام الفائت.. لتدفن في قعر النسيان بعيدا هناك ..
كل عام أهدي النسيان وليمة لذيذة لأنني لم أعد بحاجة إليها .. و بكل خفة أمضي قدما نحو العام الجديد .. كالطفل بلا هموم .. يمضي .. جل همه أن يبدأ يوما جديدا من اللعب و اللهو .. .. فلست من رواد اجترار الألم و لا الذكريات الموجعة .. فلا أعطي الأمور أكثر مما تستحق ..
كل عام و أوجاعنا أقل و صبرنا أكبر .. كل عام وأفراحنا تتكاثر و حزننا يضمر .. كل عام و أوطاننا تتعافى و حروبنا ترحل .. كل عام مليء بالحب و الأمان و الحياة و فقير بالأحزان و الخوف و الموت .. كل عام و أنتم بسعادة و راحة بال ..

ليست هناك تعليقات