بقلم أ. مصطفى طه باشا
يأتي
شهر رمضان كل عام, كنسمةٍ روحية تُعيد ترتيب الفوضى داخل النفس, وكأن الزمن يتباطأ
ليمنح الإنسان فرصة نادرة لمراجعة ذاته, وتنقية قلبه, وإعادة اكتشاف معنى السكينة,
ليس رمضان مجرد امتناع عن الطعام والشراب, بل هو رحلة عميقة نحو السلام الداخلي؛
رحلة تبدأ بالجسد لكنها تنتهي بالقلب.
رمضان
مدرسة تهذيب الروح, حيث قال الله تعالى في كتابه الكريم: «يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» الغاية
من الصيام ليست الجوع بل التقوى؛ أي أن يصبح الإنسان أكثر وعيًا بنفسه, وأقرب إلى
ربه, وأكثر اتزانًا في تعامله مع الحياة, عندما يمتنع المرء طوعًا عن المُباحات,
فإنه يتدرّب على ضبط رغباته, وهذه الخطوة هي الأساس لكل سلام داخلي؛ فالسلام
الداخلي لا يعني غياب المشكلات, بل يعني القدرة على التعامل معها بثبات وطمأنينة,
ورمضان يمنحنا أدوات هذا الثبات؛ الصبر, الذكر, التأمل, والدعاء, الصيام يعني صمت
الجسد ونقاء القلب؛ ففي زحمة الحياة اليومية نعيش غالبًا
في حالة استعجال دائم, أما في رمضان فإن إيقاع اليوم يتغير, لحظات ما قبل الإفطار,
وسكون الليل في صلاة التراويح, وساعات السحور, كلها أوقات تمنح النفس فرصة للتأمل,
الجوع يُذكّر الإنسان بضعفه, والعطش يوقظ فيه الشعور بالامتنان, ومع كل يوم صيام
يخفّ تعلق القلب بالماديات, ويقترب أكثر من المعاني الروحية, هنا يبدأ السلام
الداخلي بالتشكل؛ عندما يتوازن الجسد مع الروح, وتخفت ضوضاء الرغبات أمام صفاء
الإيمان, وقيام الليل لحظة لقاء مع الذات؛ تعتبر
من أعمق لحظات السلام في رمضان, تلك التي يقف فيها الإنسان بين يدي الله في ظلمة
الليل, والسكون يحيط بالمكان, والقلب يخلو من صخب النهار, وتصبح المناجاة صادقة
نقية, حيث قال تعالى في القرآن الكريم: «ألا
بذكر الله تطمئن القلوب» الطمأنينة هنا ليست شعورًا عابرًا, بل
حالة استقرار داخلي, الذكر وتلاوة القرآن والدعاء؛ كلها جسور تعبر بالإنسان من
القلق إلى السكينة, ومن التوتر إلى الرضا, ولا ننسى التسامح فهو مفتاح السكينة؛ رمضان
شهر العفو والمغفرة, حين يسعى الإنسان إلى الصفح عمّن أساء إليه, فإنه لا يحرر
الآخر فحسب, بل يحرر نفسه من أثقال الحقد والكراهية التي تعتبر عبء ثقيل على القلب,
والتسامح هو الطريق إلى راحة الضمير, في هذا الشهر تتضاعف فرص الإصلاح بين الناس,
وتذوب الخصومات تحت روح الإيمان, ومع كل خصومة تنتهي يولد داخل النفس شعور بالخفّة
والراحة, وفي العطاء سعادة تتجدد؛ من أروع معاني رمضان شعور التكافل, حين
يمدّ الإنسان يده لمساعدة محتاج, فإنه يكتشف أن العطاء لا يُنقص بل يزيد, الصدقة
ليست فقط دعمًا ماديًا, بل هي دواء للأنانية, ووسيلة لتعميق الشعور بالانتماء
الإنساني, فالسلام الداخلي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعطاء؛ لأن الإنسان حين يرى
أثر الخير الذي صنعه, يشعر بقيمة وجوده, ويتحقق لديه معنى الرسالة في الحياة.
التحدي
الحقيقي ليس في بلوغ السكينة خلال الشهر, بل في استمرارها بعد انتهائه, رمضان
ليس محطة مؤقتة بل هو دورة تدريبية روحية, من يتعلم فيها بصدق, يحمل أثرها معه
طوال العام, فرمضان فرصة ذهبية لمصالحة النفس, وتطهير القلب, وإعادة ترتيب
الأولويات, هو شهر تُغلق فيه أبواب الضوضاء, وتُفتح فيه نوافذ السكينة, وعندما
يتعلم الإنسان أن السلام يبدأ من داخله, يُدرك أن رمضان ليس مجرد أيام تمضي, بل هو
تجربة حياة مُتجددة, تُذكّره كل عام أن الطمأنينة أقرب مما يظن, وأن الطريق إليها
يبدأ بقلبٍ صادق.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق