بقلم رئيس التحرير : أ. مصطفى طه باشا
بينما تقف سورية على أعتاب مرحلة جديدة تتسم بمحاولات
حثيثة للتعافي، يبرز جدلٌ مشحون يمزق الوعي الشعبي؛ هل نحن بصدد مشروع استثماري
يسعى لانتشال البلاد من قاع الانهيار، أم أننا نشهد تغييرًا بنيويًا في هوية
المشروع الوطني نفسه؟
في أروقة القرار، تُسوّق الحكومة الجديدة لغة الأرقام.
الاستثمار، في قاموسها، هو الرافع المالي الوحيد القادر على تحريك المياه الراكدة،
استبدال الترهل بالدورة الإنتاجية، وتقديم بديلٍ لميزانية الدولة المنهكة. لكن، في
الشارع، تترجم هذه اللغة إلى توجس. المواطن الذي يصارع يوميًا لتأمين رغيف الخبز
والكهرباء، ينظر إلى لافتات الاستثمار بعين الشك، متسائلاً: لمن تذهب هذه العوائد؟
وهل الاقتصاد هنا هو خادم للوطن أم أنه غاية في حد ذاته؟
مفارقة الاستثمار في بيئة تعاني الحصار الاستثمار، كأداة
اقتصادية، لا يعمل في فراغ. في الحالة السورية، يواجه هذا الطرح تحديات هيكلية
تجعل من الصعب الفصل بين الاستثمار والسياسة، حيث تدرك الحكومة أن رأس المال جبان
بطبعه، خاصة في بيئة تعاني من عقوبات اقتصادية وتشريعات متذبذبة لذا، يبدو توجهها
نحو الاستثمار المباشر محاولة لتقديم ضمانات قد تظهر للمراقب كتسهيلات استثنائية،
وهو ما يراه المعارضون أو المتشككون استباحةً للموارد تحت لافتة الإنعاش الاقتصادي،
حين يتردد مصطلح «المشروع الوطني»، يتساءل السوريون؛ أين تقع حصة المواطن في
«كعكة» الاستثمارات؟ إن غياب آليات واضحة لإعادة توزيع الثروة الناتجة عن هذه
الاستثمارات يعزز الانطباع بأن المشروع الاستثماري يتجه نحو نخبة اقتصادية جديدة،
في حين يظل المشروع الوطني - بمفهومه الرعائي - في حالة احتضار، قراءة في خفايا
المشهد من منظور صحفي تحليلي، يمكن القول إن الحكومة تعاني من أزمة تواصل بقدر ما
تعاني من أزمة اقتصادية، الخطاب الحكومي يركز على النتائج الكلية (الناتج المحلي،
تدوير العجلة)، بينما يطالب الشارع بالنتائج الجزئية (الأثر المباشر على دخل
الفرد، استقرار الأسعار، جودة الخدمات) إن التماس الذي يظهر في الصورة أعلاه يوضح
كيف أن الفجوة بين الاستثمار الحكومي والاحتياج الشعبي تخلق حالة من التلولح
(التذبذب) الاجتماعي، عندما لا يشعر المواطن بأن الاستثمار يترجم إلى خدمات عامة
أو أمان وظيفي، فإنه يتحول تلقائيًا من مؤيدٍ لخطوات التعافي إلى ناقدٍ يرى في تلك
الخطوات خصخصةً مُقنّعة لمقدرات الدولة.
هل هي صدمة أم إصلاح؟ الحكومة تراهن على الصدمة
الإيجابية؛ أي خلق حالة من الزخم الاستثماري الذي يفرض واقعًا جديدًا يتجاوز الحصار،
لكن التاريخ الاقتصادي يشير إلى أن المشاريع الاستثمارية التي لا تتبناها حاضنة
اجتماعية مقتنعة، غالبًا ما تصطدم بواقع الفساد البنيوي أو المقاومة الشعبية، إن
الاختبار الحقيقي للمشروع السوري اليوم يكمن في شفافية المسار، ويُملي علينا طرح
التساؤلات التالية؛ هل تخضع هذه الاستثمارات لمعايير تنافسية حقيقية، أم هي حكر
على الدوائر الضيقة؟ أين تذهب العوائد؟ هل تُضخ في البنية التحتية والقطاعات
الخدمية (الصحة والتعليم) أم تتبخر في قنوات الإنفاق الإداري؟ هل هناك حماية
قانونية للمواطن من تغول رأس المال في حال تعارضت مصالح المستثمرين مع الحقوق
العامة؟
سورية اليوم لا تحتاج إلى مفاضلة بين الاستثمار
والوطنية؛ فهما جناحان لجسد واحد، المشروع الوطني الذي لا يمتلك اقتصادًا قويًا هو
شعار بلا محتوى، والاستثمار الذي لا يخدم تطلعات الشعب هو مضاربة بلا جذور، المشكلة
ليست في الاستثمار كفعل اقتصادي، بل في فلسفة التنفيذ، إذا لم تنجح الحكومة في جعل
المواطن شريكًا في العوائد وليس ضحية للتحولات، فإن هذه الاستثمارات ستظل مجرد
أرقام في تقارير رسمية، بينما تظل معاناة الشارع هي الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل
التأويل، بناءً على هذا التحليل، هل تعتقد أن الحكومة قادرة على خلق عقد اجتماعي
جديد يضمن أن تؤدي الاستثمارات إلى تحسين ملموس في جودة حياة المواطن، أم أن
الفجوة بين الأهداف الاقتصادية والواقع المعيشي ستظل عصيّة على الرؤية؟
