فضيلة النسيان
بقلم أ. عذراء أمين - صحيفة إنسان
لعلَّ
أسوأ ما فعلته بنا تكنلوجيا المعلومات ومواقع التواصل أنها سلبتنا فضيلة النسيان ،
فقديماً كان النسيان ُ قريباً وحامضاً مثل عنقود عنبٍ يافع في عريشة المنزل ..
قديماً
لم تكن للنسيانِ تكاليفُ باهظة ..
كان
يكفي بألاّ أراك ليصيرَ النسيان هو ذاكرتنا البديلة ..
وكنت
قادراً جداً على ألاّ أراك لأنني بالفعل لا أستطيع ، ولأنني كذلك كنتُ قادراً ومقتدراً على
النسيان السعيد ..
قديماً
كان البعيد عن العين بعيداً عن القلب ..
أما
الآن فالبعيد عن العين قريبٌ ، تراه
وتسمعُه ولكن لاتطاله ، مثل سمكةِ زينة مدهشة يحول دونها زجاجٌ شفّافٌ وسميك ..
قديماً
كان الأحبّة يختبئون في الألبومات والرسائل الورقية والكاسيتات وماندر من أفلام
الفيديو وهي كائنات لاتجيبك إلا حين تسأل ..
ولم
تكن تلك الأدوات لتشفع أو تمنع من النسيان ..
أما
الآن فهم في كل مكان مُتداولون بوجوههم وأصواتهم وحكاياتهم يمارسون بغيابهم حضوراً
يطعن القلب بحنينٍ لاجدوى منه ..
مامعنى
أن أقبض على صوتك دون كفّيك ؟
مامعنى
أن اتأمل عينيك الجامدتين اللتين لا ترفّان بومضة محبّة ولا دمعة شوق ؟
ماقيمة
الثوب الأنيق الذي لانشمّ عطره ؟
هل
قلتُ العطر ؟
هل
تعلم أن اللغة والتكنلوجيا عجزتا عن بثّ العطر في النصوص والصور ؟
هل
تعلم بأن الرائحة هي الموكب غير المرئي الذي يتقدّم الإنسان ؟
وهل
تعلم بأنني أخفقت في نسيانك كما أخفقت في الإحتفاظ بك ..
تعبت
من ابتكارك ، فأنت لست ضمير في اللغة ولا
الوجه المُقمر في الصور ..
وأنا
لست أنا…
أيها النسيان البعيد اقترب وخذني الى كوكبك البهيج لعلّني أولد مرّة أخرى.
.jpg)
ليست هناك تعليقات