الكوفية الفلسطينية
بقلم أ. شريفة زرزور - صحيفة إنسان
استمتعت
بمشاهدة أزياء مصمم عربي شاب ، فمن الوهلة الأولى لإطلالة العارضات أثيرت لدي
شهوةً ملحةً للكتابة ، رغبة كانت قد فارقتني أياماً و هجرت قلمي دونما سبب ألتمسه
، فتركتها و شأنها و استأثرت عدم الإلحاح عليها ، و لم أجتهد لإتيانها و تركت
مصيرها بين يدي الأحداث و الأيام .و يبدو أن إطلالة أزياءٍ مرصعةً بالكوفية
الفلسطينية كان لها وقعاً أثيراً على قلبي و أمراً قاطعاً ملحاً لقلمي ليباشر
الكتابة فتزاحمت كلماتي و تكدست على أبواب الصفحات ثم تسربلت برفق من بين قضبان
كانت قد كبلتها زمناً ، فسلك مشهد الكوفية التراثي مسلك من يفك القيود و يحل
الأغلال أولاً بأول و يطلق سراح تلك الأفكار لتحلق حرة طليقة تجوب الأراضي و
البلاد و تتقصى ملاذاً لائقاً لتحكي بصمت قصة إرث ثقافي عريق تخلده مترفعة بذلك
عما يدور في ساحات تضج بصخب السخرية و تفيض بالتفاهة و سفاسف الأمور و أحداثاً لا
تستحق الالتفات أو التدوين و لا تليق بالنشر .
فنٌ عربي خلاَّق خليق بأن يدَوَّن و
يتوِج تاريخ شعب و قضيته بحروف متلألئة ، فعمق روح المصمم و شعوره الطاغي و علو
احساسه استدرج قلمي و أثار إعجابي بفن نقل للعالم برقة و جمال مشاعراً جمّة و
حمَّل قطعة قماش منقطة بالأبيض و الأسود قُصَّت و خيِطت بإبداع رسالة سلام و تسامح
بدلاً من رسائل كانت تبث للعالم بصوت الحجر و الرصاص و لون الدم و طعم الألم و غصة
الموت ،،
رسالة وصلتني جلية من هذا المصمم ،
وصلت حقيقة إيمانه بقضايا العرب و وحدتهم و البقاء على تراث أجدادهم الأصيل و أن
هناك فن هادف نقي خالص كالذهب خليق بإطلاق صيحات نداءٍ رقيقة و لفت انتباه لأرض
تتعطش للحرية و شعب مطرود مشتاق ليلف جسده تراب أرضه الطاهرة و يعزُّ عليه أن يموت
مشتتاً في بقاع الأرض ، فحلم العودة للوطن و عهدة مفتاح الدار يتجسد في قطعة قماش
مشبعة بالقيم و يتحقق على أنامل فنان مبدع لا يملك سوى فكرة و مقص و خيط و إبرة .

ليست هناك تعليقات