بقلم أ. نغم الجوجو - صحيفة إنسان
لو
طلبتُ منكَ الآنَ أنْ تحصي عددَ الجملِ والكلماتِ التي قيلتْ لكَ ولكنْ لمْ تكنْ
حقيقيةً ، أي لم يرافقها الفعلُ الدّالُ عليها وبقيتْ مجردَ كلماتٍ خرجتْ منْ فمِ
صاحِبها وانتهتْ متناثرةَ الحروفِ في الهواءِ دونَ أنْ يكونَ لها وقعٌ فعليٌ يبينُ
لكَ حقيقةَ هذا القولِ ومقامهُ ، لذا من المفاهيمِ المهمةٍ التي يجبُ أنْ
تكونَ راسخةً في حياتكَ هو مبدأُ الاختبارِ في الواقعِ ، حتّى لا نعلقَ في دوامةِ
الوهمِ والتّوقعِ ونخرجَ من هذهِ الدّوامةِ فاقدينَ القدرةَ على الثّقةِ بأيِّ
كلمةٍ تُقالُ لنا مهما كانتْ درجةُ صدقها ، لأننا دخلنا في تجاربٍ مع أشخاصٍ
يربحونَ جوائزَ عالميةٍ في بناءِ صفّّ من الكلامِ ، متناسينَ أنَّ أصلَ كلِّ
كلمةٍ فعلٌ يُطبقُ على أرضِ الواقعِ ، لا أنكرُ جمالَ الكلماتِ المنمقةِ وخاصةً
منَ الأشخاصِ الذينَ يملكونَ سحراً فريداً في بيانهم لدرجةِ أنَّهم قادرينَ على أن
يبنونَ لكَ عالماً كاملاً من خلالِ كلماتهم ويأخذونكَ لسماءٍ صافيةٍ و
رحبةٍ ، ولكنْ يبقى حالُ هذا العالمِ كحالِ الغبارِ سرعانَ ما يتلاشى فتجدُ نفسكَ
تسقطُ منْ هذهِ السّماءِ حاملاً للخيباتِ والأوجاعِ ، ومنْ ناحيةٍ أخرى لنكنْ
منصفينَ ، إنَّ نفسنَا البشريةُ تنتظرُ في كثيرٍ منَ الأحيانِ سماعَ كلماتٍ معينةٍ
تُرضيها وتَبثُها السّعادةَ دونَ الاهتمامِ لحقيقةِ هذا الكلامِ وتطبيقهِ الواقعيِ
، لا يُهمها سِوى الشّعورِ الآنيِ لهذا الكلامِ وإرضاءِ حاجتِها منهُ ، ولكنْ عندما
ينتهي تأثيرُها ونصطدمُ بالواقعِ ؛ أينَ نحنُ منْ هذا ؟ ، المشكلةُ أننا نبني على
بعضِ الكلماتِ تصوراتٍ عاليةٍ لا تنطبقُ مع معاييرِ الواقعيةِ ،
لذلكَ
منَ الضروري أنْ نميزَ الأشخاصَ منْ حولِنا ، و نبني مختبراً في داخلِنا نستطيعُ
من خلالهِ إدراكَ صحةِ الكلامِ وواقعيتهِ حتّى لا نقعُ في فخِ سحرِ الكلامِ
وتذكروا
أنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةٌ فما حقيقةُ ما نقولُ أو ما نسمع؟
