آخر المشاركات

الغني والفقير



بقلم الكاتبة السورية أ. مزنة باكيرو - صحيفة إنسان

 

كنت أفكر، ما مقياس الغنى؟ كيف أحكم على أحد ما أنه غني أو فقير؟ أيوجد حد معين ينقلنا من ضفة أحدهما لضفة الآخر بعد تجاوزها؟

 

إن سألت طفلاً أن يصف لك حال شخص غني، فستكون طبعًا الاجابة المتوقعة منه: منزل كالقصر بحديقة خلفية واسعة وأشجار الفواكه كلها، مع مسبح ضخم يعكس بصفائه زرقة السماء. سيارات في ساحته ونافورة عند بوابته العظيمة. أما داخل القصر، فهو متحف احتوى على تماثيل ومجسمات، ولوحات فنية ﻷرقى الفنانين والنحاتين. مكتبة ضخمة في أحد طوابقه، شاشات التلفاز كأنها شاشات السينما. وقاعة الطعام وحدها حلم لن يتكرر، على جدرانها استندت خزائن من أرقى أنواع الخشب وأفخرها، تحوي في بطنها أثمن الأطباق وأروع الكؤوس.

مائدة ممتدة على اتساع الطاولة كأنها مائدة قوم عيسى، عليها ما تشتهيه اﻷنفس، وتسر به اﻷعين.

هكذا علمتنا أفلام الكرتون والمسلسلات الخيالية، وهكذا وصفت لنا الغني، ورسخت ذلك في أذهاننا وأذهان أغرارنا.

وهي ذاتها التي صورت لنا الفقير على أنه معدم، ﻻ يقوى على إيجاد قوت يومه. فلو سألت الطفل ذاته أن يصف حال الفقير، لبدأ بالتحسر على حال رآه في شاشة ما يومًا. منزل متهالك مكون من غرفة واحدة، مطبخ متداعٍ، ودورة مياه تشمئز منها اﻷبدان. رجل كهل يشقى ويكد، وعجوز نحيلة تطبخ حساء ﻻ يكفي شخصًا واحدًا، ﻻ يقويان على تحمل مشاق الحياة ودهسها. أطفال يصارعون الواقع للخروج منه إلى آخر أفضل وأحسن حالًا. وترابط أسري وحنين بين أفراد العائلة. أقساط ومشاكل المواصلات. أطفال أذكياء، لكن ﻻ قوة للأهل على اﻹعانة بمصاريف التعليم، وغيرها...

وهذا كله، بهذه التضاربات والاختلافات، يقارنها ذلك الطفل بحياته الشخصية، فيتمرد للوصول إلى حياة الغني، هاربًا من واقعه الأليم.

 

لكن، لدي سؤال أرقني لك عزيزي القارئ: لم نربط دائمًا الغنى والفقر بالمال؟ أﻻ يمكن للغني أن يكون مضنيًا في حياته، ﻻ يهنأ بعيشه، وﻻ يحس بطعم القرش الذي يحصل عليه؟ فهل يعد هذا غنىً؟

وذاك الفقير منعم بما رزقه ربه، راضٍ بحياته بكل تفاصيلها، فهل يعد هذا فقرًا؟

ﻻ، هذا غير منطقي. أريد رسم خارطة جديدة لتعريف الغني والفقير.

فالغني هو الذي ينعم بحياة هادئة مطمئنة بين عائلته وإن لم يملك المال، ينام ويحلم، يحيا بسلام داخلي، يحب الناس وﻻ يضمر شرًا، واثق من نفسه ومن كل أفعاله، يرى الجمال في ورود الحدائق، ويقرأ الحب في عيون اﻷصحاب. يرسم بكلامه لوحات من اللباقة والاحترام. نفسه عليه عزيزة، ﻻ يدخل في جوفه حرامًا، ولا يحسد معطى على ما أعطي، يحمد الله في سرائه وضرائه.

هذا هو الغني حقًا، وما عداه فهو الفقير.

ليست هناك تعليقات