على شفا قارب
بقلم الكاتبة السورية أ. شريفة زرزور - صحيفة إنسان
أرى
أمامي طفلاً يلوح بيده يصرخ باكياً يطلب الماء و الزاد و قد نفذ من على ظهر قارب
موت وعده بلسان كاذب مقيت بملاعب ذات أجواء أسطورية و حدائق ساحرة تعج بالألعاب و
مقاعد دراسية يتلقى عليها علما يتباهى به و رسم له صوراً ثلاثية الأبعاد لطبيب
مشهور تماما كما حلم يوماً أن يكون .
و
ألمح هناك أماً تطفر دموعا من عينها متوسلة تحضن رضيعها فلذة كبدها الوحيد يحتضر و
قد استنفذ آخر قطرة حليب من ثديها الذي و فقد مجده الغابر و أحاله الجوع و العطش
متهدلا كخرقة مهترئة ، و ها هي تستعيض عن الحليب بماء البحر المالح تقطره في فمه و
دموعها تتدحرج عشرات تحفر على سحنتها النحيفة خنادق قهر و تعاسة و و جع مر كالعلقم
، تراقب رضعيها يتلقف قطرات الموت الخسيس من كلتا يديها الخائرتين .
و
في الجوار ، على بعد أمتار من القارب أشاهد شاباً حالماً بعمر زهور الحياة و جمال
رونقها ، أكاد أستنشق أريجها الفواح يملأ الأرجاء آمالاً مؤجلة ، كانت شعلة ذكائه
المتقدة قد أنارت الدرب أمامه لريادة أعمال ناجحة و تحقيق أفكار ابتدعتها آفاق
خياله ، ها هو الآن يصارع أمواج الموت مصارعة الشجعان في محاولات يائسة متكررة
للتغلب عليها ، يقاوم بعزيمته و تصميمه هزيمته المحتومة أمامها .
و
أرى على متن هذا القارب المشؤوم أب فاضت عينيه نهرا من دموع شحيحة الحيلة ،،،،
ياااااااله من أب جلد صبور شهد أمام ناظريه أطفاله الست وقد يتمتهم الحرب و سرقت
ابتسامة ثغرهم ، سلبتهم حنان حضن لا يعوض بكنوز الأرض ، حرمتهم أرقِّ ما في الكون
و تركتهم مع دموعهم و آهاتهم الموجعة يتطلعون للقاء روحها الهائمة في السماء على
هدى كلمات أليهم المهدئة و عباراته المطمئنة التي يمزجها مع فتات خبز يابس منقوع
بماء المطر و ندى الصباح مع ملوحة دمعه و أطفاله كل مساء متقشف في صحن من الذل و
الأسى يتجرعون لحظات الحياة يقتنصوها عنوةً من فم الموت اللعين .
أبصر هناك بضع ضحكات لصبية تقبض يداها على يدي
شاب ماتت الفرحة على وجهيهما المشرق و خبت جذوة كانت تشع أملاً و اندثرت وعود تنبئ
بمستقبلهما سويا و عهوداً قطعاها معاً على ألا يفترقا و أن يكملا المشوار الجميل و
يقسمان على قبرهما أن تتفتح البراعم على أيديهما الخضراء ليعوضا كل حرمان في حضرة
الوطن الذي بات حضنه يعصف زمهريرا و وجعا و خذلانا ،،، اصبري أيتها الأم الثكلى
فوعد ابنك بلم الشمل مع أبيه و أخوته صار قريبا على شفا أن يفي به قبل أن تخطفه
موجة عاتية غادرة منذ قليل .
أنت
يا عروسنا المدللة كفاكي انتظاراً ، أخلعي ثوبك الأبيض فقد طوى البحر عميقا جسد
فتى أحلامك ، و الآن أطفئي شمعة حلمك الفاره بسرير وفرشة تنعم بدفء زوجك و قبلته
على جبينك عند الفجر ، لابأس ، تحملي صقيعا فاحشاً يلطم جسدك الغض و تزيني بالحنظل و امسحي نقوش
الحنَّاء من على أناملك الناعمة و تعطري بالمر و العلقم فقد ذبلت أعواد الياسمين .
هوِّن
عليك يا أبتي فالبحر لم يحفظ الأمانة و خان العهد و غدر بنا كعادته و اعتقل أجساد
أخوتي و سجَّى أجساد شباب قريتي في عمقه كما الزمرد و الياقوت و المرجان مع حقائب
سفرهم الموضبة بأناقة بذكريات و أحلام و آمال و وعود و اتهمهم بجريمة مراد الحياة
الكريمة و العيش الشريف ، و سيلفظهم المحيط عما قريب جثثاً هامدةً مشوهةً تتقاسمهم
كل شطئآن العالم كغنائم أو ربما كبهائم ترسم حدودا مترامية للذل و المهانة و
الحرمان و قساوة وحش كاسر يدعى المرض ، ستشهد عليهم عيون البشرية تتدفق دموعا
تذَّكر إن نفعت الذكرى أن مصاباً جللا قد أصاب الوطن في كبده .
أمهات
جف الدمع من مآقيهن الورعة .
أطفال متلهفون للقاء قريب يلفهم مع أب مقهور .
أم
جزعة هدَّها الوداع كمطرقة تهوي على رأسها .
شابة
نضرة تنتظر على شرفة غرفتها .
شاب
مثقل رأسه بالهموم يتجرع الظلم و الاجحاف ، كلهم قصص لاذعة بانتظار صحوة الوطن قبل
الموت ، بهذه الكلمات طيبت خاطر أمي التي هاتفتني بالأمس بصوت مخنوق و شعور مكسور
تجهش بالبكاء و تستنجد بي و كأنها غريق على متن قارب الموت تتشلهف بكلمات منزوعة
من صدر مكتوم و تناديني مرة و تناجي الله الف مرة شريفة لقد فاق عدد الجثث المائة
و استلم بعض الأهالي الجثامين و ابتلع البحر حتى شبع من أبناء أمتي الأبرياء يا
ربي ارحمهم يا ربي تغمد جسدهم الطاهر واسع جنانك . اهدئي يا أمي فالوطن حنون و
دافئ حضنه .

ليست هناك تعليقات