عام خال من البدع
في هذا العام الممتلئ بالمفاجآت و الترقب ،
أصبح الجميع أكثر لهفة و ترقبا لبدء عام جديد ، بداية متفائلة بعام أكثر راحة و
أمانا ، أو لنهاية تطيرا من عام ثقلت موازينه السيئة ..
لقد اعتدتا أن نحمل الأمنيات جميعها ،
المتأخرة و المستجدة ، بين كفينا ، ننتظر عقارب الساعة الثلاث أن تتحد لتغير رقما
واحدا ، هو العناق الثلاثي الذي يقلب روزنامات العالم جميعا على اختلاف توقيتها ،
نقلب معه صفحة جديدة في أعمارنا التي تنفذ ، لنخطو خطوة واحدة ننقل فيها كل ما
يهمنا من عام لآخر ، و قد نحمل بين طياتها أوجاعا صنعت في قلوبنا وهنا نظن أنه قد
يتلاشى مع تغير الأرقام المدونة !
في بداية العام التي تزداد ألقا ، فتزدان
المدن بألوان و إضاءات مبهجة فتنتقل كاميرات الإعلام لنقل الاحتفالات بين العواصم
التي تتنافس و تباهي بزينتها ..
و في الاتجاه الآخر ، تلك الفئة التي تتربص
بكل ما يحدث لتطلق وابلا من الأحكام و إقامة الحدود ، لتعطي لنفسها الحق في
التقاضي و فرض الألقاب ، إنه تنافس من نوع آخر ، رداء جديد ارتأى أصحابه أن يجلسوا
من خلف شاشاتهم ليغردوا ، و لا ندري أي حال يرتدون !
البدعة هي الاسم الذي يطلق على كل شيء مستحدث
بحسن أو ضلالة ، لكننا لم نعد نرى من الابتداع إلا ذلك الموجه بزيف باسم الدين ، و
كأنهم يوجهونه لاغتيال نقاء السريرة ، و حسن النوايا !
أولئك الذين أبدعوا في ابتداع الأحكام ،
الذين جعلوا من أنفسهم شرطة تهرع للقبض على لصوص الفرح و السعادة ، الذين لم يروا
من المآسي شيئا ، و فضلوا ارتداء نظاراتهم الشمسية و الاستلقاء على الشواطئ
الأوروبية و الأمريكية ، تفضلوا علينا بإطلاق وابل من الأحكام المبتدعة التي تضيق
خناق الحياة حول أعناقنا ، في حين أرخوها كثيرا حول أعناقهم ، فنسوا فيم يجب أن
يطلقوا زقزقاتهم تلك !
إن المعايدة ببدء عام جديد ، أو تهنئة
الأديان الأخرى بأعيادها لا يتنافى مع قيمنا و مبادئنا ، بل إنه يوطد من نبلها و
إنسانيتها المبنية على الخلق و السلام ، في حين أن مد اليد للمصافحة و الاحتفال
على مائدة أقيمت على بيع القضايا و نحرها و شرب نخب أصحابها الذين يقتلون و
يتألمون ، الذين يموتون من شدة الجوع و من فقر الفرح ، الذين كانت رائحة دمائهم
أشد فتكا من شجرة الميلاد الجميلة ، و أشد ثقلا في الميزان لو كانوا يعلمون !
لأننا تخبطنا بين عالم مليء بالبدع و بين آخر
يغطى بلون أسود عنوانه مكتوب باللون الأحمر و بالخط العريض ١٨+ ، محرم رؤيته لأنه
يشهر سيفه في القلوب ، يصفع الضمائر ، و يشوه الصور التي تعودت أعينهم على
مغازلتها ، فضلوا أن يبقى بعيدا عن الأنظار و الأبصار ، فيناموا قريري العين دون
أن يلوثوا مزاجاتهم بأصوات و صور مؤذية !
في العام الجديد الذي نتمنى أن يكون خاليا من
البدع ، مكتظا بالسرور و الفرح ، سنغمض أعيننا ، و سنوشوش الودع بأحلامنا ، و
سنعلق على الشجر أمنياتنا ، و سنحمل كل شيء إلى الله في قلوبنا و دعواتنا ..
كل عام و أنتم بخير

ليست هناك تعليقات