آخر المشاركات

عام خال من البدع



بقلم الكاتبة العراقية د. فرح الخاصكي - صحيفة إنسان

في هذا العام الممتلئ بالمفاجآت و الترقب ، أصبح الجميع أكثر لهفة و ترقبا لبدء عام جديد ، بداية متفائلة بعام أكثر راحة و أمانا ، أو لنهاية تطيرا من عام ثقلت موازينه السيئة ..

لقد اعتدتا أن نحمل الأمنيات جميعها ، المتأخرة و المستجدة ، بين كفينا ، ننتظر عقارب الساعة الثلاث أن تتحد لتغير رقما واحدا ، هو العناق الثلاثي الذي يقلب روزنامات العالم جميعا على اختلاف توقيتها ، نقلب معه صفحة جديدة في أعمارنا التي تنفذ ، لنخطو خطوة واحدة ننقل فيها كل ما يهمنا من عام لآخر ، و قد نحمل بين طياتها أوجاعا صنعت في قلوبنا وهنا نظن أنه قد يتلاشى مع تغير الأرقام المدونة !

في بداية العام التي تزداد ألقا ، فتزدان المدن بألوان و إضاءات مبهجة فتنتقل كاميرات الإعلام لنقل الاحتفالات بين العواصم التي تتنافس و تباهي بزينتها ..

و في الاتجاه الآخر ، تلك الفئة التي تتربص بكل ما يحدث لتطلق وابلا من الأحكام و إقامة الحدود ، لتعطي لنفسها الحق في التقاضي و فرض الألقاب ، إنه تنافس من نوع آخر ، رداء جديد ارتأى أصحابه أن يجلسوا من خلف شاشاتهم ليغردوا ، و لا ندري أي حال يرتدون !

البدعة هي الاسم الذي يطلق على كل شيء مستحدث بحسن أو ضلالة ، لكننا لم نعد نرى من الابتداع إلا ذلك الموجه بزيف باسم الدين ، و كأنهم يوجهونه لاغتيال نقاء السريرة ، و حسن النوايا !

أولئك الذين أبدعوا في ابتداع الأحكام ، الذين جعلوا من أنفسهم شرطة تهرع للقبض على لصوص الفرح و السعادة ، الذين لم يروا من المآسي شيئا ، و فضلوا ارتداء نظاراتهم الشمسية و الاستلقاء على الشواطئ الأوروبية و الأمريكية ، تفضلوا علينا بإطلاق وابل من الأحكام المبتدعة التي تضيق خناق الحياة حول أعناقنا ، في حين أرخوها كثيرا حول أعناقهم ، فنسوا فيم يجب أن يطلقوا زقزقاتهم تلك !

إن المعايدة ببدء عام جديد ، أو تهنئة الأديان الأخرى بأعيادها لا يتنافى مع قيمنا و مبادئنا ، بل إنه يوطد من نبلها و إنسانيتها المبنية على الخلق و السلام ، في حين أن مد اليد للمصافحة و الاحتفال على مائدة أقيمت على بيع القضايا و نحرها و شرب نخب أصحابها الذين يقتلون و يتألمون ، الذين يموتون من شدة الجوع و من فقر الفرح ، الذين كانت رائحة دمائهم أشد فتكا من شجرة الميلاد الجميلة ، و أشد ثقلا في الميزان لو كانوا يعلمون !

لأننا تخبطنا بين عالم مليء بالبدع و بين آخر يغطى بلون أسود عنوانه مكتوب باللون الأحمر و بالخط العريض ١٨+ ، محرم رؤيته لأنه يشهر سيفه في القلوب ، يصفع الضمائر ، و يشوه الصور التي تعودت أعينهم على مغازلتها ، فضلوا أن يبقى بعيدا عن الأنظار و الأبصار ، فيناموا قريري العين دون أن يلوثوا مزاجاتهم بأصوات و صور مؤذية !

في العام الجديد الذي نتمنى أن يكون خاليا من البدع ، مكتظا بالسرور و الفرح ، سنغمض أعيننا ، و سنوشوش الودع بأحلامنا ، و سنعلق على الشجر أمنياتنا ، و سنحمل كل شيء إلى الله في قلوبنا و دعواتنا ..

كل عام و أنتم بخير

ليست هناك تعليقات