ذاكِرةُ الأَماكِن
بقلم الكاتبة
العراقية أ. ياسمين ثامر خضير - صحيفة إنسان
مصابةٌ
أنا بِمرض نادِر، يَكاد أن يَقْضِي علىٰ ذاكِرتي مِن كثرةُ التفكير بهِ، جَسدي
هُنا وَرُوْحيّ هُناك حيثُ الماضي الجَمِيل، عِنْدَما كانوا النَّاس أنقِياء،
لطفاء، يَمْلأُ قَلْبهم الحُبّ وَالصفاء، لا يَعْرفوا معنى للضِغْن وَالكَذِب
والنّفاق وَالرِياء، كانتْ النَوَايا بِبَياض الثلج بَلْ أنقى بِكثير، أذكر كان
أبي يقول لنا دومًا لا تكذِبوا يا أولادي فَالكَذِب يَجعلكم بَشعِين، كُنْتُ أخاف
أن أكذِب كي لا يُصيب وَجهي البَشَع! عِنْدَما كَبُرتُ رأيت الجميع يقول كُلّ شيء
إلا الحَقيقة! الجَميع يَتكلم بِتُرَّهات، وَمَازَالَ جَمالهم كما هوَ! وَلَمْ
يَتَغير، لكن داخِلهم كان بَشِع بَشِعٌ جداً، عرفتُ وقتها ماذا كان يَقصد أبي،
الجَميع يَحمل شكلاً جَمِيل لا يُغِيره الكَذِب لكن القُلْوب تَتَغيَر، فَتَصبح
دواخِلهم مُشوهةٌ مِن الكَذِب والنّفاق وَالوَرْبُ، أذكر عِنْدَما كُنا نَتكلم
لانشغل بالاً لِكلامنا نَقول ما نُريد مِن دونِ أن نُفكر، أما الأن كُل شيء تَغير
لا نَستَطيع أن نَنطق بِحرف دون تَفكير، لَيْسَ لأننا كَبُرنا بَلْ لأن النُفوس
والقُلْوب تَغيَّرتْ لَمْ تَعد الناس علىٰ طِيْبتُها، وَأذكر كُنا عِنْدَما نَخرج
نرىٰ النساء بِكامِل أناقتهنَّ وَجَمالهنَّ وَلَمْ يَسْمعهم أحد كَلِماتٌ بَذِيئة،
أما فِي الوَضْعُ الرَّاهِنُ كُل شيءٌ أختَلف حتىٰ الفتاةُ المُحتشمَة لَمْ
تَنْجُو مِن أَلْسِنَتهمْ، وَكأننا نَعود إلىٰ الوراء وَلا نَتقدم (وَيا ليتنا
نَعود)!، وَأذكر أيضًا كُنا عِنْدَما نَحتاج إلىٰ مَن يَقف مَعنا بِموقفًا ما،
نرىٰ الجَار والقَريب والصديق وَكُل المُحبين حَوْلنا، والآن ماذا؟ لانرىٰ حتىٰ
أقرب الناس عَلَيْنا، كان الجَار أَخٌ و حبيباً وَصَديق وَ سنداً لنا، الان أصبح
الأخ لا يَمر بِأَخيه!، أما الحُبّ أذكر أنهُ كان شيءٌ جَمِيل حيثُ يَقف المُحب
بِالقرب مِن مَنزل الحَبيبة لِينظر لها وَهيَ تَخرج لِيمْتلأَ قَلْبهُ بِالسعادة،
أما الأن أصبح الحُب كلمة يَتجَنبها الكثير لأنهُ أصبح نادِر الوجود، وَ أذكر
عِنْدَما كُنا نَستَمتع كثيراً بِلمة الأهل حَوْلنا، نتناقش، نَلعب، نَتَسَلًّى،
نطرح الأفكار، أما الأن لا يعرف أحد أحوال الأخر رَغْمَ إنَهم يَسْكُنونَ فِي نَفس
المَنزل! تُخْنَقَهم الدَقائق التي يَتْركوا بِها هَواتِفهم وَيجلسوا معًا! كان
يَجمعنا سقفٌ واحد وَالأن بَعْثَرنا نَفس السقف لكن فِي زَّمَن التِكْنُولُوجيا
وَالتقدم!
كُنا
أجَمل، كُنا أنقى، كُنا أصدَق وَازكا، كُنا، أطهَّر وَأحْلَى بِكثير ...، أَحِنُّ
أنا لِرفاقي لِمَدْرَستي للمة الأهل والأصدقاء، لِجَدي لِكلامهُ وَحِكاياتَه،
أَحِنُّ لِبيتُنا لِجَارُنا لِأزِقَّةِ الحُبّ وَشَوَارِعُها، لِبَراءتنا
لِشَقاوتنا وَحتىٰ لِضَحِكات كانتْ نابِعة مِن القَلْب، لِأُناس كانتْ تَملَؤها
النَقاء وَداخِلها يَزْهُو بِالحُب، أَحِنُّ أنا لِعراقُنا القديم ياليتهُ بقى
علىٰ ما هوَ عَلَيْه وَلَمْ يتَطوَّر!.

ليست هناك تعليقات