مبتدأ بِلا رفع
بقلم
الكاتبة العراقية أ. مينا راضي - صحيفة إنسان
رفعُ
المبتدأ لا يقبعُ سوى في ثنايا الكتب أما الحياةُ فلها قولٌ آخر، فيها تكونُ
البداياتُ مكسورةً منخفضةً ليس لها من الرفعِ نصيب. بداياتُ الحياة هي التي تهشمُ
أحلامنا و تقتاتُ من آمالنا حتى تشارفُ على النفاذ، البداياتُ هي العواصف التي
تتخبَّطنا لكنها تشكِّلُ إرادتنا الخِصبة. في البدايات نكونُ فريسةً للظروف،
تُلقي بنا أنيابُ القدرِ الى الهاوية مراتٍ و مرات حتى نكادُ نوقنُ أننا لن
نبرحَ قاعَ الحياة، لكنَّ وابلَ الخيباتِ الهاطلَ علينا يزرعُ في نفوسنا قوةً لا
تُجارى، تستشري ذرّاتُ العزيمةِ فينا فنُتابعُ السيرَ صوبَ الحلم. ذلكَ الماضي
القاحلِ العقيم سيغدو حاضرًا مزهوًا، كلُّ بؤسٍ اعترانا سيصبحُ فخرًا و حبورًا،
كلُّ ضعضعةٍ و وهَنٍ ستتصلَّبُ و تنقلبُ قوة، كلُّ نوباتِ الانكسارِ ستغدو شموخًا،
ظهورُنا المحدودِبةُ إثرَ وابلِ الكدحِ ستسقيمُ و تنتَصِب، و الأعينُ الباكية
التي طالما دثَّرَتها أوشِحةُ السواد ستقدَحُ شرارَ الانتِصار. إنَّ إنتاجَ
مشهدِ نجاحٍ وحيدٍ يستَدعي كواليسَ طويلة، كواليسَ من ساعاتِ السهَرِ تحتَ نبراسٍ
خافت، كواليسَ من مقاومةِ مُداعباتِ النُعاسِ
المُغرية، إنَّ مشهدَ النجاحِ ذاك الذي تعرضهُ مُخيِّلتُنا كلَّ يومٍ
يتطلَّبُ منا السقوطَ والفشل، هكذا تكونُ
البداياتُ العِجافُ التي تلِدُ نهاياتٍ مُرضية.

ليست هناك تعليقات