"مُعترك الحياة"


بقلم الكاتب العراقي أ علي أكبر - صحيفة إنسان

ما أمرَّ النهاية ، تلك التي يضعها الإنسان عائقاً أمام طريقه .
هل علينا حقاً أن نقتل أنفسنا أم علينا أن نقتل ما يجعلنا نقتلها ؟
 أنتَ أيها اليائس ، البائس ، المُبجّل لحزنك . هل تريد أن تكون سعيداً في دنياك؟ 
إذن أحفر حفرة في قاع الأرض ، وتكوّر بها ونِم ، لا تفتح صدرك للحياة ولا تجعلها تشمَّ خطواتك ، إستلقِ في الحفرة ونِم للأبد . 
تريد أن تكون سعيداً معناه أنكَ تريد ألا تواجه الحياة . 
كل الذين واجهوا الحياة هم الآن يمشون مع مصيرهم يداً بيد . بفرح ويأس . 
ما أعمق اليأس إذ يدلّنا على أماكن لا نراها حين نكون فَرِحين 
لن أمنعك من أن تنتحر .. أنتحر أنتَ حر .. ولكن مهلاً .. 
هل صافحت الرياح ؟ هل سبقتها وصولاً لما تريد ؟ 
هل تدحرجت مثل صخرةً من فوقِ جبل ؟ 
هل فتحت كل النوافذ المغلقة ، تلك القابعة في داخلك ؟ 
هل شَممت كل وردة نبتت على أهداب جسدكَ؟
هل تكلمت مع الضوءَ قائلاً : قرّرتَ ألا أشنق نفسي . لأنني لو انتحرت ، فسيكونَ سعر الحبل أغلى من سعر نفسي؟
هل وضعت الفرح ذاته على صدرك حين جائك باكياً؟ 
هل طرقت كل الأبواب المجهولة. تلك التي ندمت على طرقها؟ 
هل اصطحبت أحلامك في نزهةً إلى واقعك؟ 
هل عَلوت على نفسك مثلما يعلو الموج على البحر ؟ 
هل قرأت الفضاء ، ذلك الفضاء الذي لا يريد لأحداً أن يقرأه إلا من كان يعلّم النجوم على أن تشع ؟
هل وضعت النقاط على خارطة الزمن ، تلك الخارطة التي إن أفلتَّ يدك من يدها تاهت؟
هل علَّمت الصخر منطق الصمود ، والدخّان منطق الشفافية ، والأشجار منطق الرسوخ؟
هل تكلّمت دون حروف ، وبكيت دون دموع ، وأصغيت دون سماع؟
من قال لك أن لا حواس لنا غير التي نمتلكها .
هل حاولت أن تكتشفها ؟
هل ضممت الحياة تحت ثيابك حين أراد الموت أن يمسكها من مخالبه ؟
هل ضحكت أو بكيت أو حلمت بعمق؟
هل فرشت شرايينك لليتامى يتوسّدون بها أيها الأم؟
إذا لم تفعل كل هذا فإني أنصحك أن تؤجّل يأسك فيما بعد .

ربما أنت تائه وضائع مثل نهاية خيط يرفرف في السماء ،
ولكنَّ الأمر عائدٌ لك ..
يمكنك أن تكون أنت ذاتك سماءٌ يحتوي هذا التيه
أو يمكنك أن تكون الطرف الآخر من الخيط القريب من الأرض .
ذلك الخيط الذي لا يقدر أحدهم أن يمسكه ليتحكم في طيرانك نحو الأفق .
أو يمكنك أيضاً ، أن تكون وصلٌ بين السماءِ والأرض .
حيث أن الطرف الذي في السماء ، حيَّر النجوم في إمساكه
والطرف الذي في الأرض ، أتعبَ الأعداء في الركض خلفه .
ما لا يقتلك يجعلك أقوى . 
الذي يُدمّرك، هو حقاً ما يُبنيك .
قضيتَ سنينٍ كثيرة حتى عرفت أن القصاص الوحيد للموت هو أن نقول له حين يأتينا : أهلاً بك ، لقد عشنا بما فيه الكفاية .
ما أعمقها من خيانة ، حين تضع حدّاً لحياتك .
خيانةٌ للماء الذي توسّلَ كثيراً أن يعانق ظمَئك إلى الأبد 
خيانةٌ للتراب الذي تحدَّى كل الرسامين في الوجود ، على أن يرسموا ولو لوحةً واحدة 
بجمالِ الرسمة التي أنشأتها خطواتك في التراب ، الخطوات ذاتها التي لا تؤمن إلا أن تتقدم نحو الأمام . 
وخيانةٌ للذين يؤمنون بك مثل كتابٌ سماويٌ مقدّس .
أن تموت يعني أن تموت الأبجدية ذاتها .
أن تموت يعني أنك تريد أن تجعل كل ظل جلست تحته، يصرخ بكل ما أوتي من حواس
أن تموت يعني أنها النهاية 
كن بلا نهاية
تعليقات