بقلم رئيس التحرير مصطفى طه باشا
في كل مجتمع أشخاص يختبرون الآخرين بميزان الأخلاق، وآخرون لا يرون في الإنسان سوى ما يملك من مال أو نفوذ أو منصب، هؤلاء لا يصنعون العلاقات على أساس القيم، بل على أساس المصالح، فيقتربون من الأقوياء، ويتجاهلون أصحاب المبادئ، ويمنحون الاحترام لمن يملك السلطة، لا لمن يستحقها.
المؤلم في هذه الظاهرة أن الاحترام، وهو قيمة إنسانية نبيلة، يتحول لدى بعض الأشخاص إلى سلعة تُباع وتُشترى، فإذا فقد الإنسان منصبه، أو تراجع نفوذه، أو ضاقت أحواله المادية، انقلبت وجوه كثيرة كانت تبتسم له بالأمس، واختفت كلمات المديح التي كانت تتردد على ألسنتهم، وهنا تنكشف حقيقة العلاقة، ويتبين أن الولاء لم يكن للشخص، بل لما يملكه.
المزيفون بارعون في ارتداء الأقنعة، يتحدثون عن الأخلاق والوفاء، لكنهم يغيرون مواقفهم مع تغير المصالح، يحيطون بأصحاب السلطة طمعًا في مكسب، ويبتعدون عن أصحاب الحاجة خوفًا من خسارة، إنهم لا يقيسون الإنسان بعلمه أو إخلاصه أو عطائه، بل بحجم تأثيره وقدرته على تحقيق مصالحهم، وفي المقابل، يبقى أصحاب القيم ثابتين في تعاملهم مع الجميع، فهم يحترمون الإنسان لذاته، ويقفون إلى جانب الضعيف كما يقفون إلى جانب القوي، لأن الأخلاق لا تتبدل بتبدل الظروف، ولا تتغير بتغير المراكز والمناصب، فالمعدن الحقيقي للإنسان لا يظهر في طريقة تعامله مع أصحاب النفوذ، بل في كيفية تعامله مع من لا يملك سوى كرامته، لقد أفسدت ثقافة التملق والنفاق كثيرًا من العلاقات الاجتماعية، وأضعفت الثقة بين الناس، حتى أصبح البعض يشك في كل ابتسامة أو كلمة مديح، متسائلًا: هل هي احترام صادق أم مصلحة مؤقتة؟ وهذا الشك ليس وليد المبالغة، بل نتيجة تجارب متكررة أثبتت أن بعض العلاقات تنهار بمجرد زوال المنفعة، إن المجتمعات التي تمنح الاحترام على أساس المال والمناصب تساهم، من حيث لا تدري، في تهميش أصحاب الكفاءات، وتشجع الوصولية والانتهازية، أما المجتمعات التي تكرّم الإنسان لأخلاقه وعلمه وعمله، فهي التي تبني مستقبلًا أكثر عدلًا واستقرارًا، لأن القيم فيها لا تخضع لتقلبات المصالح.
وفي النهاية، يبقى الزمن هو الحكم العادل بين الناس، فالمال قد يزول، والمنصب قد ينتهي، والنفوذ قد يتبدد، لكن الأخلاق تبقى، والسمعة الطيبة تعيش في ذاكرة الناس طويلًا، أما المزيفون، فمهما أتقنوا فن التلون، فإن أقنعتهم تسقط عند أول اختبار، ويكتشف الجميع أن الاحترام الحقيقي لا يُشترى بالمال، ولا يُفرض بالسلطة، بل يُكتسب بالصدق، والوفاء، وحسن الخلق.
