بقلم الكاتب السوري أ محمد الساري - صحيفة إنسان
إن
العقل لا يتسع لإدراك الإله وسبر أغوار الغيب، ولكن القلب الممتلئ بالإيمان يتسع
لذلك ، فمنطق العقل محدود الأفق، أما منطق القلب فلا حدود لآفاقه، فالعقل أشبه
مايكون بالرجل الآلي المبرمج حسب قوانين محددة، فهو وإن كان يناور ويتطور ذاتيا
فإنه يبقى محكوم بمنطق هو المنطق العقلي، أما القلب الذي يفيض بالحب وأسمى العواطف
يدرك الله بلا حاجة لقواعد وقوانين وبراهين، فالعقل قد يبرهن على الحق ويثبته، أما
القلب فإن الحق والخير يشرق ويسطع فيه فيرى المحب خالقه وكل شيء كما يرى نور الشمس
من غير برهان ، ويثبته حدسا أشد إقناعا من كل البديهيات والمسلمات الرياضية، ولا
حاجة للتمنطق في الإلهيات إلا لإقناع العقل ومداراة تمرده وجموحه وكبح غروره
وافتتانه بمبادئ المنطق التي بنيت عليها جبلته ، ولكن مهما تباينت طرق القلب
والعقل واختلفت مسالكهما لا بد أن يلتقيا في قلب الحقيقة يوما ما، فالهدف واحد
والطرق والمسالك متعددة ومتنوعة، فقد يحتاج الإنسان لبلوغ هدفه إلى طرق ووسائل
مختلفة، فعندما يكون هدفك الوصول إلى مدينة ما قد يستلزم الأمر أن تركب سيارة عندما
يكون الطريق بريا ،ولكنك عندما تصل إلى شواطئ المحيط تصبح السيارة بلا قيمة وعندها
لا بد من الاستعانة بسفينة للإبحار والاستمرار في الرحلة، وقد يكون الطريق الجوي
واستخدام الطائرة أمر لا مفر منه، وهذه الأدوار أشبه ما تكون بالأدوار التي
يتبادلها القلب ( الإيمان )والعقل ( المنطق ) في رحلة الوصول إلى الحقيقة، وإدراك
الخالق، ولكن للقلب في أمور الغيبيات تفوق ساحق على العقل كتفوق السفينة على
السيارة عندما يكون الطريق بحرا ، دون أن ينقص ذلك من قيمة العقل ودوره، لأن
المعرفة بالإله تعتمد بقدر معين على العقل والمنطق ولكنها لا تكتمل إلا بالاستعانة
بقوة الحدس وقوة الوجدان لإدراك وفهم العلاقة بين البشر وخالقهم، ولعلنا نجد أن
سعي كثير من الذين يؤمنون بقدرات العقل_ وهم محقون ولكنهم يبالغون_ كسعي الطائر الذي يسير على أقدامه ليصل إلى
الشجرة مع أنه يستطيع أن يصل مستخدما جناحيه، فهو وإن كان يستطيع الوصول إلى
الشجرة مشيا ولكنه بمقدوره والأجدى له أن يستخدم الطيران لأن المشي للطائر يعرضه
للمهالك والمخاطر وربما الموت، وهذا هو حال من يريد الاعتماد على العقل في أمور
الإلهيات كالفلاسفة وغيرهم، فالإيمان هو الوسيلة التي نحلق بها في عوالم الغيب،
ولعل أبرز ما تم ذكره في القرآن حول هذه المسألة هي قصة سيدنا موسى وسيدنا الخضر
عليهما السلام، إذ أن موسى عليه السلام يمثل المنطق والعقل والخضر عليه السلام
يمثل العلم الغيبي، بحيث تنتهي القصة بقضية مفادها أنه بالرغم من التناقض البادي
بين العقل والغيب إلا أنهما في النهاية متفقان تمام الاتفاق، فعندما يقتل الخضر
الطفل وعندما يخرق السفينة وعندما يقيم الجدار كل ذلك يبدو غير منطقي للعقل
الإنساني، ولكن من يعطي الجانب الروحي والإيماني والوجداني دوره اللازم في المعرفة
والفهم يستطيع أن يدرك تكامل الصورة ،أو أنه يؤمن بأن الصورة ستتكامل فالطفل كان
قتله منطقيا ، وخرق السفينة مبررا، وإقامة الجدار كان واجبا أخلاقيا، لذلك
فالإيمان بالغيب جزء من الحقيقة المعرفية للإنسان، ولعل هذه القصة( قصة موسى
والخضر) تنسحب على جميع مظاهر اللامنطقية سواء في الحياة أو في العقائد ،كأن يسأل
مراهق بدأ عقله يتحرر للتو من أسر الأفكار التي تلقاها تلقينا "كما يبدو
له"، كأن يسأل لماذا يسمح الله بالشر وهو قادر ، ولماذا يسمح بالحروب
والحرائق؟ لماذا يسمح بحرق طفل يلهو بالنار ؟ أو كيف يدوم عذاب جهنم بشكل لا
متناهي لبشر لم يعيشوا سوى سنوات؟ ولماذا لم يتركنا الله في الجنة ويهدينا
لعبادته؟ ولماذا أمهل الشيطان حتى يوم القيامة؟ هذه الأسئلة لم يخصص العقل
لتبريرها وتسويقها، هنا لا بد من الأبحار بوسيلة أخرى غير العقل والالتزام
بطريق آخر هو طريق الإيمان حيث نؤمن بأن الصورة وإن كانت غير عقلية فهي ستتكامل
حتما في يوم ما، ففي هذا العالم لا نستطيع أن نفهم إلا ماهو عقلي..
