مغريات الدُنيا - قصة
بقلم الكاتبة العراقية أ تبارك
صلاح الدين - صحيفة إنسان
وفي لحظةِ إنهيار
نجوبُ وسطَ التعاسةَ باحثين عن شيء ينتشلُ أرواحنا المُغدقة بالحزنِ إلى الجانب
الآخر من الحياةِ لنتذوقِ بها طعم الحياة بالفعلِ، حتى ولو لدقائق.
ننغمسُ في أعالي
السماء كأننا نبحرُ بسفينةِ على الغيوم نتكلمُ مع الطيور المبحرة ونحلقُ مع
الأسماك الطائرة وفجأة نسقطُ بدوارِ بعيد المدى لا نهاية وبداية له لنأخذ جرعة
أكبر وننغمسُ بالحياةِ من جديدِ ثم نشعر..نشعر..لكن ليس بالحياةِ نشعرُ بإنه واجب
علينا أن نقتبس أرواحنا من تلك الحياة البائسة في أعين قلوبنا الطِيَرَة ونرميها
بحياتنا الخَارّصة.
كانتْ فلسفتي للحياةِ
هكذا أن أعيش اليوم بيومه كما يقولون لا أعتري أهتماماً بما سوف يحدثُ غداً أستقبل
مرضاي كوني إياد محسن الطبيب النفساني المعروف في مستشفى اليرموك وأملك عيادة خاصة
بي في منطقة الحارثيةِ لم أختر مهنتي حباً بها وإنما للإستغلال ،نعم للإستغلال لا
أحب أن أدعي الشرف وأقول من أجل مساعدة المرضى خصوصاً تخصصي أعالج المهمشين التي
تتعب الحياة أفكارهم وتجففُ نهر روحهم وإدراكهم يسيرون بلا هدف مستعدين للإنتحار
ليس الكل بالتأكيدِ لكن الغالبية العظمى منهم وخصوصاً النساء منهم اللواتي يتعرضنْ
لحادثِ مؤلم في حياتهنْ يجعلها رأساً على عقبِ،كتلك التي يهجرها حبيبها أو زوجها
أو تفقد والديها تصبح هناك فجوة شاسعة في قلوبهنْ ويؤسفني ذلك فأنا هنا لمساعدتهن
وملأ هذهِ الفجوة من خلالِ علاقة عابرة،قبلة سريعة،إحتضان مؤقت وهناك حالات تستدعي
شقتي،من أجلهنْ لا من أجلي هنْ ينخدعنْ بسرعةِ فائقة بعلاقاتي التي لا تدوم
أسبوعاً واحداً تحقيق لرغباتِ شهوائية لا أكثر،وبطبيعةِ الحال من لا تقبل بقضاءِ
فترة ولو قصيرة مع رجل في الثلاثين من عمره مفتول العضلات ذي نظرات حادة ببشرة
مائلة للإسمرار إلى أن أتتْ لهفة مريضتي التي أمرضتني وقلبتْ كل موازيني كانت حالتها
ليستْ بتلك الصعوبة تعاني من نوباتِ قلق وإضطراب مع أرق مستمر لحوالي شهرين
متتاليين وطفح الكيل مع ذلك الأرق فاتتْ من أجل الحصول على علاجِ والتخلص منه كانت
بيضاء ولكن بملامحِ عربية خالصة عينان قهوائيتان مع حاجب مرسوم بطريقةِ توحي
بشخصية نرجسية شفتان ممتلئتان وأنف حاد
متوسط بين وجنتين مشرقةِ وصافيةِ وعلى الرغم من ذلك الجمال الذي اغواني لكن هناك
شيئاً غريباً جذبني إليها ربما هدوئها في عزِ ذلك الإضطراب أو ربما إبتسامة مع
رفعة حاجب خفيفة عندما تبدي إعجابها بأمر كانت جميلة تجذبني إليها بكل طريقة ولم
أستطيع أن أجذبها إلي ولو بكلمةِ واحدة أوحيت لها مازحاً في أحد المرات
بقولي: -إني أستطيع أن أقضي على الأرق
-أوه، حقا...كيف؟!
-بقضاء ليلة معي
أعطتني نظرة شعرتُ
بإستحقارها لي وحملتْ حقيبتها بقوةِ ورحلتْ غاضبة مشمئزة مني ومن قولي...
مرت أسابيع على
جلستها الجديدة ولم تأتي داهمني شعور قلق مفعم بالإشتياق لها من حسن الحظ إن
معلوماتها مسجلة ومن ضمن ذلك رقم هاتفها أتصلتُ عليها وأجابتْ من ثاني مكالمة كان
صوتها الشرقي الحنون يبعث الإطمئنان في قلبي وأعتذرتُ منها مرات عديدة وأنهُ لم
يكن قصدي أجابتني وهي تفيض غضباً:
-أوه!....لم يكن
بقصده أهكذا تعامل مرضاك؟
-زلة لسان عيناك
أرتكبتْ تلك الخطيئة
-وما شأنها هي؟!
--يتدفقُ الجمال منها
كنهر حر مستقيم لا تعتريه أي تعرجات
أستمريتُ بالحديثِ معها هاتفياً قرابة ساعتان بصورةِ متواصلة ودعوتها
للعشاءِ الذي أعتبرته مترجماً لإعتذاري وقبلت بعد سلسلة إقناع لم تدم طويلاً أستمر لقائنا وحديثنا المستمر أحببتها حتى
أصبحتُ أخاف اللّٰه
فيها ولا أريد التقرب
منها حتى يصبح الأمر رسمي بيننا واقمنا علاقة جميلة جداً لا تشوبها الأخطاء التي
لا تُغَتَفر .
-إياد دعوتني إلى
العيادةِ من أجل أن تقول لي هذه القصة؟
-أيمكنك أن تتحلي
ببعضِ الصبر حتى أكمل حديثي؟
-حسناً....تفضل أرجوك
-هذهِ قصتي هذه
أخطائي وزلاتي جميعها،هذه الحياة التي قضيتها قبلك ولكن حينما رأيتك أحسستُ إن عقلي أفاق ولا أريد
بعد الآن أن تغريني الحياة أكثر إنتابني شعور الإشمئزاز من نفسي على ما فعلته سابقاً
ولا أريد أن أكمل هذا بعد أن رأيتُ عينيك....هل تعتقدين إن هذا عرض زواج جيد؟
أجابت وهي تذرف دموع
متقطعة وعيناها إكتساها شيئاً من البريقِ
-بالطبعِ جيد ....ولا
تحزن الجميع يمر بتلك المغريات فمنهم ينجو منها ومنهم يقع فيها للأبد ومنهم من
ينجو بواسطةِ عينان مثلك وفي الأخير أبدأ
من حيث توقفتْ وبل أصح لا تتوقفْ ولا تجعل نفسك منقاداً بإغواء الحياة ومتاعاتها
المُتطايرة التي تنتهي بومضةِ، أسلك الطريقَ الذي يجعلك تعي السعادة بمعانيها
المفصلة من الأرض إلى السماء.
للمشاركة بالكتابة معنا راسلنا
نرجوا متابعتنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي :
قناتنا في اليوتيوب

ليست هناك تعليقات