ما زال في هذا العالم أصدقاء
بقلم أ مي موسى –
صحيفة إنسان
كلمة
لها من المعاني والأوصاف ، يعجز القلم أن يصفها ، الصداقة هي أجلّ ما يسكُن في
النفوس هي ، الوفاء ، والصدق ، والأمانة ، الصديق الحقيقي هو من يكون حفيظُ سِرك ،
هو ملاذك الأول والأخير بعد رب العزة سبُحانهُ وتعالى ، هو أمنك ،وأمانك، ومأمنك .
تعرفون
الصديق هو من تذهب إليه ضعيفًا وترجع أقوى وكأنهُ لا شيء بك ، هو من تجد كتفهُ لك
ثابتًا دائمًا حتى لو مالت الدنيا كلها بك ، يبقى هو معك ، هو حفيظ سرك ، هو من
يفهم صمتك قبل حديثك ، هو من يقرأ عيناك ، الصديق هو من يكون توئم الروح ، هو من
يفرح لفرحك ، ويحزن لحزنك ، سمعت ذات مرة عن قصة صديقان من أعجب و أجمل ما كان وما
يكون ، عن صديق ترك بيتهُ ، وعائلتهُ ، ومالهُ؛ لأجل أن يُهاجر مع صديقهُ دون
تفكير حتى ترك هذا كُله في رعاية الله ليرحل مع صديقه ، كان هو خير سند له كان
يُفديه بروحهِ قبل مالهِ ، كان يرتوي إذا شرب صديقه ، كان لا يفصل بين قلبيهما إلا
قليل لحم ، وبين جسديهما إلا حفنة تُراب ، ومن يكون غير رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنهُ ، كان في هذا العالم أصدقاء ، يا لحظك يا أبو
بكر ، ذات مرة سأل أحد الصحابة يا رسول الله من أقرب الناس إليك قال أبو بكر
الصديق رضي الله عنه ، أي صداقة هذه حين قال له : يا أبو بكر لا تحزن ما بالك ب
اثنان الله ثالثهما ، يا أبو بكر إذا كان الله معنا فمن علينا ، كان أبو بكر نِعم
الصديق وكان رسول الله خير الأصدقاء ، كان أبو بكر يستقبل رسول الله وقت حُزنهِ
قبل فرحهِ يمسح دُموعهِ كان أكثر من صديق سلام الله على تلك الصداقة ، وكما قال
الإمام الشافعي:(سلام على الدنيا إذا لم يكن بها صديق صادق الوعد مُنصفًا ) وقد
صدق.
وما
الصديق إلا روح تُشبه روحك، هو قطعة أُخره من قلبك، نادرون أولئك الأصدقاء في
زمننا هذا ،نادرًا أن تجد صديق يفهمك، يُطمأنك، يكون معك في حزنك قبل سعادتك، نادرًا
ما تجد صديق لا يخون، ولا يغدر، ولا يرحل حتى، نادرًا ما تجد صديق يحفظ سرك ،وليس
كل عابر صديق ،وليس كل ودود صديق ، وليس كل من كان كان معسول اللمى صديق إنما
الصداقة مواقف وأفعال، وكما قال شاعر رسول الله حسان بن ثابت: أَخِلاَّءُ
الرِّجَالِ هُمْ كَثِيرٌ وَلَكِنْ فِي البَلاَءِ
هُمْ
قَلِيلُ فَلاَ تَغْرُرْكَ
خُلَّةُ
مَنْ تُؤَاخِي فَمَا
لَكَ
عِنْدَ نَائِبَةٍ خَلِيلُ
وَكُلُّ
أَخٍ يَقُولُ أَنَا
وَفِيٌّ
وَلَكِنْ لَيْسَ يَفْعَلُ
مَا
يَقُولُ سِوَى خِلٍّ لَهُ
حَسَبٌ
وَدِينٌ فَذَاكَ لِمَا يَقُولُ هُوَ الفَعُولُ .
أعرف
من تصادق ،من تأمنه على نفسك وسرك فغدر الصديق أشد ألمًا هو ألم يستوطن القلب قبل
العين، ولا تأسف على صديق قد خاب الظن فيه فمن استغنى فنحن عنه أغنى، وأعلم أن كُل
ما يذهب هو خير لك، وأن هناك عوض من الله وجبر لقلبك، أيعجز سبحانهُ وتعالى أن
يجبر قلبك؟! ، أيعجز أن يعوضك بمن هو أجمل؟! لا والذي خلق فأبدع ،لا والذي أقسم
بالشفق، ليس عاجزًا أن يجبرك فهو رحيم بعباده ولقد قال الأمام الشافعي عليه رحمة
الله:
إِذَا
المَرْءُ لاَ يَرْعَاكَ
إِلاَ
تَكَلُّفاً فَدَعْهُ وَلاَ
تُكْثِرَ
علَيْهِ التَّأَسُّفَا
فَفِي
النَّاسِ أَبْدَالٌ
وَفِي
التَّرْكِ رَاحَةٌ وَفي
القَلْبِ
صَبْرٌ لِلحَبِيبِ وَلَوْ
جَفا
فَمَا كُلُّ مَنْ تَهْوَاهُ
يَهْوَاكَ
قَلْبُهُ وَلاَ كُلُّ مَنْ
صَافَيْتَهُ
لَكَ قَدْ صَفَا
إِذَا
لَمْ يَكُنْ صَفْوُ الوِدَادِ
طَبِيعَةً
فَلاَ خَيْرَ فِي
خِلِّ
يَجِيءُ تَكَلُّفَا وَلاَ خَيْرَ
فِي
خِلٍّ يَخُونُ خَلِيلَهُ
وَيَلْقَاهُ
مِنْ بَعْدِ المَوَدَّةِ بِالجَفَا
وَيُنْكِرُ
عَيْشاً قَدْ تَقَادَمَ عَهْدُهُ
وَيُظْهِرُ
سِرًّا كَانَ بِالأَمْسِ قَدْ خَفَا.
لا
يزال هُناك أصدقاء في هذا العالم ،لا يزال هناك ود، وصفاء، ووعد صادق ، وأمان، وطمأنينة.
هل
سمعت يومًا بالكنز الذي لا يفنى؟ إنه الصداقة، نعم لا تفنى ،وكيف تفنى ذكريات
وتفاصيل مُخبأة في العقل والقلب، كيف تُفنى لحظات من عُمرنا هباءًا منثورا، كيف
أوقات سعيدة كانت أو حزينة مررنا بها؟!
لا والله لا تُفنى أبدًا، تعلمون لم أكن أُدرك
معنى الصداقة جيدًا أو بمعنى أدق لم ألتقي بالصديق الذي يشعرني بذلك ،يشعرني بالاهتمام،
والاحتواء، وأن مع كُل عُسر يسر، وأنهُ وإن طال ظلام الليل الحالك، ومهما طال
الطريق، وكثرُت الصعاب حتمًا ستجد النور في نهاية ذاك الطريق، ستجد ما كنت تتمناه
بل أجمل مما كنت تتمنى، وأنهُ مهما عصفت بك الريح، واشتدت بك الأزمة سيبقى هو معك
سيكون ممسكًا بيدك لن يتركها.
أخبرتني
توأم روحي من قبل، توأمة روحك؟!
نعم
توأمتي ،وقبيلتي ،وأمني ،وسكني، وسكينتي ،وراحتي أخبرتني: أن الصديق الحقيقي هو من
يحفظ سرك، هو من يحترمك وقت حضورك ووقت غيابك، هو من يشعر بنبضات قلبك ولو كنتِ في
جمعٍ من الحضور، هو من يقرأ عيونك قبل حديثك، ببساطة يكون هو روحك، واعلمي أن
المسافة مهما بعدت أو طالت سيبقى الصديق صديق، ليس طول المسافة عائق على أن أشعر
بقلبك ونحن خير مثال على ذلك، ألا تعرفين أن الأرواح جنود مُجندة فما تعارف منها
إئتلف وما تنافر منها اختلف، وقد ألِفت روحي روحك وأصبحت شيئًا واحدًا.
ذات
مرة سمعت قصة من أجمل وأجل القصص تقول القصة: بينما كان الأمير في المدينة سمع
تاجرًا يسأل ابنهُ: كم صديقًا لك
فقال
الابن: أربعون صديقًا
فأحابه
الأب: أنا بهذا العمر ولا أملك إلا صديقًا ونصف صديق
سمع
الأمير قول التاجر فسأل حاشيته :هل يعرف أحدكم ماذا قصد بصديق ونصف صديق؟ فقال له
الوزير: لعلهُ يمزح يا سيدي
فقال
الأمير: لا أحضروا لي التاجر ل أسأله
ولم
حضر التاجر سألهُ الأمير: ماذا كنت تقصد بصديق ونصف صديق؟
فقال
التاجر: أنا بخدمتك يا مولاي ولكن هذا لا أستطيع شرحه سأريك إياه
فقال
الأمير: كيف
قال
التاجر: اطلب من المنادي أن يدور في السوق ويعلن إعدامي يوم الجمعة
قال
الأمير متعجبًا: ماذا؟!
قال
التاجر: حتى تعرف معنى الصديق ونصف صديق
وإذا
بالمنادي يخرج يا أهل البلدة إعدام التاجر يوم الجمعة لارتكابه جرمًا عظيمًا
فيجتمع
الناس ويتسألوا ماذا فعل التاجر؟!ثم يتقدم أحد الأشخاص ويقول له: يا مولاي أنا على
استعداد لدفع أي مبلغ تطلبه مقابل إعتاق التاجر
فيقول
الأمير: لا إن حرمه عظيم
فقال
الرجل: أتنازل عن نصف أملاكي
قال
الأمير: ولا كل مالك يكفي
فقال
الرجل للتاجر: أسمعت يا صديقي تبرعت لك بمالي لكن الأمير رفض، فهل وفيت معك يا
صديقي؟!
فرد
التاجر: نعم الوفاء وانصرف الرجل
ثم
نادى المنادى ثانية، فيأتي رجل مسرعًا ويقف بين يدي الأمير
ويقول
له: أتريد إعدام التاجر؟ إنه بريء وأنا المذنب
ويلتفت
إلى الناس ويكرر أنا المذنب التاجر بريء
فيقول
الأمير: حسنًا سنعدمك مكان التاجر
ويأخذ
الحراس هذا الرجل إلى منصة الإعدام ويوثقونه بالحبال
ويسأله
الأمير ألا ترجع في كلامك؟
فيقول
الرجل: لا. اذهب يا أخي إلى أهلك وعيالك.
وحينها
التفت التاجر إلى الأمير مبتسمًا وهو يقول: أرأيت الفرق يا مولاي بين الصديق ونصف
صديق؟!
فمن
يفديك بنفسه صديق ومن يفديك بماله نصف صديق.
الصداقة
أجلّ المعاني لذا يا أصدقائي اعلم من تصادق، اعلم من تأتمنه على نفسك وتذكروا ليس
كُل من كان معسول اللمى صديق، إنما الصداقة مواقف.

ليست هناك تعليقات