آخر المشاركات

معاهدة صاحب القرار



بقلم أ ريما شهاب - صحيفة إنسان

وُضعنا نحن الاثنان على نفس الرف وفي نفس المكان، ما يميّزه عني أنه حديث الوجود أما أنا فأصبحت من علامات الرف الخشبي الذي أسكن فيه منذ سنوات عديدة، تناقلتني أيادي كثيرة وتصفحتني عيونٌ أكثر لكن مصيري الدائم كان العودة إلى الجلوس في مكاني وانتظار أن يأتي اليوم الذي يبحث فيه قارئ ما عمّا هو أعمق من غلافي المغبّر وصفحاتي التي بات لونها يميل إلى الاصفرار.
هو كغيره لم يؤنسني لفترة طويلة فألوانه البرّاقة وغلافه اللمّاع كانا كافيين لتحريره من رطوبة الخشب وإطلاق سراحه لينعم بدلال وغنج الأنامل الناعمة والنظرات الجذابة، هو كغيره عابر سبيل على جذوري الراسخة داخل هذه الحيطان المهترئة يكمل طريقه إلى النعيم المستجد وأنا هنا على حالي أنتظر قدوم بديل عنه ورحيل آخر..
في مرة، أمسكني أحد المارة وأخذ يقلّب أوراقي بتمعن واهتمام وكان كلما قرأ صفحة تسارعت نبضات قلبي وحبست أنفاسي خصوصاً بعد محاولته الثانية للتدقيق في المحتوى لكنه على عكس ما تأملت تقلّصت عضلات وجهه ورجف فمه من الغضب! استغربت الموقف وردة فعله الغريبة هذه إذ أمسكني بعنف     وثبتني بقوة في مكاني فصرت أسائل نفسي: ما الذي أثاره هكذا؟  أهو الشكل أم المعنى؟ أم يا ترى بعض الحروف قد اختفت بسبب القِدم فأتى المعنى ناقصاً أو مغايراً؟ رحل هو وجلست أفكر بما حصل ولما هو حانق على حروفي وأوراقي؟
بقيت هذه الأسئلة تثير فضولي وقبعت كالعادة انتظر أحد أصدقائي العابرين ليأتي ويساعدني على معرفة السبب.
إلى أن أتى اليوم المنتظر حين زارني أحد كتب علم الفلك والأبراج وتعلمون كم يصبح الطلب عليهم متصاعداً مع كل اطلالة عام جديد فاستقبلته بترحاب         وحاولت أن أؤمن له كل سبل الراحة خلال اقامته إلى جواري وبعد أن تأكدت من لطفه وسعة صدره طلبت منه معروفاً وهو أن يحاول أن يتصفح بعض أوراقي علني أفهم سبب وحدتي؟ فنظر إليّ مبتسماً وأجابني ممازحاً: لست بحاجة لتصفحك لمعرفة السرّ! هوجليّ على وجهك، ذهلت من كلامه فقلت: " ما الذي تراه؟" فأجابني بسخرية:
" معاهدة الحب العربية العربية “ للكاتب " صاحب القرار "
ومنذ ذاك اليوم صرت كلما دخل أحدهم إلى المكتبة أدعو أصدقائي العصريين للتقدم أماماً على الرف بينما أنسحب بهدوء لأكمل قيلولتي في الداخل.

ليست هناك تعليقات