أراك أراجوزًا
بقلم أ ريم ساكو - صحيفة إنسان
أريد
منك لحظة فقط؛ تغمض فيها عينيك، وتسبح بخيالك بعيدًا عن واقعك, تذكر مشاعر الألم
والقهر والظلم والاستفزاز التي مرّت بك طوال سنيّ عمرك.
استحضرِ
الشخص المسؤول عن هذه المشاعر المدفونة داخلك.
نعم
هذا الشخص، أريد منك أن تقف أمامه وهلة، ولكن أود أن تجرده هذه المرة من جميع
أسلحته بهدوء.
تختلف
الأسلحة ما بين ابتزاز عاطفي، وتهديد مستمر بإنزال عقوبة ما أو هجر، وسلاطة لسان،
وتدبير مؤامرات للإطاحة بك، وصوت مرتفع، وسباب وإهانة أمام الآخرين بشكل مقزز، وتتنوع
أسلحة الأشخاص، وكل متضرر يعلم ماذا يواجه.
أريد
منك الآن تسميةَ هذا الشخص في داخلك فقط، ولن تستغرق وقتًا؛ لأنه ظاهر أمامك في كل
وقت؛ فربما تَمثل في أخ/ت، أو زوج/ة، أو ابن/ة، أو صديق/ة، أو زميل/ة، أو جار/ة،
كائنًا من كان فهو في صور كثيرة تخدم رؤيتي لهذه المقالة.
تذكر
الصوت المرتفع الذي كان يرعبك، وكلامه الجارح الذي كان يحددك، وأسلوبه المستفز
الذي يقطع سلامك الداخلي، وجميع الأمور التي أحزنتك وما زالت.
تخيل
وجود كاميرا تصور هذا المشهد، وتنتقل بينك وبينه، وتنتقل معها الأدوار والشخصيات
وتتبدل؛ أنت هو، وهو أنت. واعلم أن هناك مقاوماتٍ ستصدر منك؛ لأن المشاعر هي
المتحكمة الآن، لا وعيَك، وهذا ما يجعلك في الطرف الأقوى؛ لأنك تفكر وتشعر وتتحكم،
عكسه هو؛ إذ يتحرك كالذي يتخبطه الشيطان من المس.
هل
شاهدت حقيقة هذا الشخص الآن؟ هل شعرت بشعور غريب وأنت في موقعه أولَ مرة في حياتك؟
هل بدت عليك علامات الاستهجان والاستغراب من شخصيته الحقيقية؟ والمهم: هل شاهدته
فعلًا؟ وهل ظهر لك حجمه الحقيقي؟
نعم،
هو هذا الشخص الصغير الخائف، المجرد من جميع أسلحته التي طالما اختبأ خلفها، وهو
الشخص نفسه الذي يبكي بصمت، ويحاول التهرب بطريقة خاطئة كالطفل المذعور, حسنًا،
تذكرِ الآن الأراجوز.
أَلبِس
معي هذا الشخص لباس الأراجوز، وانظر إلى حاله وضعفه، لا يملك سوى مسرح كبير
ليستعرض حركاته البهلوانية، سواء أكانت بالصوت المرتفع أم الضحك عليك محاولًا
التقليل من قيمتك، والأصح أنها اعترافات باطنة بقيمته في نفسه.
مهما
حاولت الابتعاد عنه فستراه يحاول جرحك؛ لأنه لم يتعلم سوى هذا الأداء, أراجوز!
مهما
حاولت قطع علاقتك به فلن يدعك؛ لأنه يحتاج فعلًا إلى من يصفق له، وكانت مخاوفك
أفضل جمهوره؛ لأنه أراجوز!
نراهم
في بيوتنا، وفي أماكن العمل والدراسة، وفي كل مكان، لا يكلّون ولا يملون؛ لأنهم
أراجوزات تحتاج إلى إضاءة لتظهر، وتحتاج إلى مسرح هزلي لكي تبسط كفيها بسخافات،
وأنت ومشاعرك المنخفضة أفضل جمهور لهم, ولكنّ تقنياتِ التجاهل والتركيز على مساعيك
ونقاط قوتك سوف تحررك من رؤيتهم، أوِ الوقوع في مصيدتهم البائسة.
نصيحتي
ألّا تشفق عليهم، وأن تكرِمهم بالتجاهل، وأن تنوء بنفسك بعيدًا عن مخيمات السيرك, دعها
لهم؛ فقد صنعت لأجلهم.
وابتسم
لهم دائمًا، وأخبر نفسك بكل ثبات أنهم أراجوزات، وما عليك فعله أن تصفق لهم بعد
الانتهاء من عروضهم الهزلية، وأن تمضيَ قُدمًا؛ فكلما ابتعدت نجوت.

ليست هناك تعليقات