الإنسان بين قلق الموت وأمل الخلود 3
بقلم
أ محمد الساري – صحيفة إنسان
أما
من الناحية النفسية فيمكن أن نوقن بأن الموجود الإنساني خلقه الله كمخلوق متكامل
ومنسجم ولا تناقض فيه من الناحية الجسدية والفكرية والنفسية، وفكرة الخلود هي
امتداد للتكامل النفسي للإنسان ،في حين أن فكرة الموت والزوال تفتح الباب على
مصراعيه ليكون الإنسان كائنا يلفه التناقض ويعصف به الاضطراب من كل جانب وهذا
محال.. فحياة الملحد قصيرة كما تبدو له، ولا إشباع فيها، ووجوده مأزق، والدور
الأهم عنده للجسد، بينما تعيش الروح عذابات وحسرات وتعاني انحرافات نفسية وفكرية
تستقي وجودها من فكرة الموت التي يضعها الملحد نهاية لوجوده، بينما تبدو فكرة
الخلود والتي هي ليست مجرد أمنية من نسج
الخيال كغيرها من الأماني، بل هي فكرة يؤدي فقدان تصورها إلى اختلال وعبثية الوجود
البشري برمته، ووجودها يضفي انسجاما وتكاملا لدرجة أن الموت نفسه يصبح خطوة منطقية
للغاية في حياة الإنسان اللامتناهية.
ويبدو
أن الإنسان خلق ككل الكون ليكون متكاملا، وليس ليكون مختلا متناقضا، فلك أن تتخيل
كم ستكون نفسه مطمئنة" يا أيتها النفس المطمئنة" ذلك الذي يوقن بأنه
خالد لا يفقد عمرا ولا ولدا ولا مطلبا، حقيقة سيكون من الناحية النفسية يعيش
بالطاقة النفسية الإيجابية وهي في أوج كمالها، وسيكون متكيفا مع نفسه ومحيطه وعمله
وواقعه بل وقدره خيرا كان أم شرا، فالخلود نعيم ما مثله نعيم ووعد ليس كمثله وعد، فما
بالك لو كان هذا الخلود هو خلود في نعيم مطلق أبدي...
فعندما
يقول لك فيلسوف وجودي بأنه يفضل" مرارة الحقيقة على حلاوة أوهام التمني"
فأي حقيقة تلك التي خلقت مع الإنسان لتحول حياته إلى جحيم وعبث، ثم أنه كيف أثبت
أن الخلود وهم ،فإذا كان العلم لا يؤمن إلا بالمحسوسات، ويرى أن الخلود هو للمادة
فقط في تحولها الأبدي من شكل إلى آخر دون أن يهتم بالجانب الروحي والقيمي
والأخلاقي هذا الجانب الذي يعبر عن ماهية الإنسان كروح تحمل في طياتها أعمال
الإنسان لتوصله كجواز سفر إلى خلوده الروحي..
وإذا
كان العقل بطاقاته المحدودة وسعيه التدريجي لأدراك الحقائق لا يستطيع أن يبت جازما
في مسائل تبدو له مبهمة وغامضة ولكنها تهم الموجود الإنساني بالصميم، فإن هناك
طاقات أخرى في الإنسان وقوى باطنية جبارة وموثوقة كقوة الحدس وقوة الإيمان وهي
وسائل مشروعة وطرائق حقيقية للمعرفة لا ينكرها إلا من يفقدها أو يتنكر لها ، هذه
الوسائل تستطيع أن تدرك الخلود وبالتالي يعود الهدوء والانسجام والتكامل للإنسان
الذي هو عالم فسيح إذا فقد الإيمان بالخلود عمته الفوضى وساد الضياع والاضطراب
أرجاءه..
فإذا......
إن الذي يفنى هو الجسد المركب والمتناهي، بينما الروح التي تتوق دائما وتشتاق أبدا
للخلود، والتي صممت لتكون خالدة هي التي يمكن أن تتصور لا نهائية الخلود، وهي التي
تربط الجانب الخلقي للإنسان بخلوده، فمن طبيعة الروح الخالدة نستمد فكرة الخلود
ونعيش حياتنا بهدوء وطمأنينة وسلام.

ليست هناك تعليقات