هؤلاء لا يلاحظهم العالم ..
بقلم أ. نصرة الأعرج –
صحيفة إنسان
يوما
ما سأكتب عن هؤلاء الذين لا يلاحظهم العالم الذين
يتخطاهم الحظ دون أن يتوقف عندهم ولو قليلاً ، الذين يستحقون أن يكتب عنهم. سأكتب
عن المغيبين ، عن المركولين بقدم مجتمع ساقط
، "سأكتب عن تلك الفتاة المتخبطة ،
التي تفشل في أن تُكوِّنَ جملة واحدة عن تلك الفتاة التي تتلعثم بالكلام والتي تشعر بالحرج والخجل المريض لمجرد أن
أحدهم لمح وجهها وشاهد تعابير كلامها
،عنها وهي تقضم أظافرها باستمرار لأن لا أحد يراها على أية حال ، عنها وهي تلف خصلات شعرها
في توتر حين يبادر أحدهم بالكلام .
"سأكتب
عن هذه الفتاة التي تجلس بنفس المكان كل يوم وحيدة ، تحرق جمال
أناملها وهي تنزع العشب من أعقاب الأشجار
لتتطاول وتثمر وتعطي أكثر وهي
تتحسس وجهها كل آن وآخر كأنها تعتذر منه،
وتهرش رأسها بحركة عصبية وهي تحتسي
الشاي في انتظار من يتقاسم معها خدود
يديها التي حُفرت بمحراث
التعب
"سأكتب
كثيراً عن تلك السيدة الخمسينية العازبة ، ذات الشعر المصبوغ، والشفاه
الحمراء المحددة بعناية لتكسبها حمرة شهية
، وهذا التعبير على وجهها كأنها فجأة ومن دون أن تشعر تحولت من الرابع عشرة الى الخمسين، كانت بالأمس فقط تسرق خلسة أصابع
الروج من أمها، تلك التي زُيرت من ابن عم لها
لرفضها الزاوج منه ، فمنعت لغيره
وسأكتب عن تلك التي تشبه أباها وتتمنى أن تشتري أنفا جديداً بدلاً من أنفها
الأفطس الذي يشبه أنف أبيها، كيف يمكن أن يكون التذكار الوحيد الدائم لأب بمثل هذه
الطيبة، شيء بهذا القبح، وكيف لها أن تكتشف الجمال في العالم والعالم يرفض بإصرار
أن يلتفت لجمالها .
سأكتب
اعتذاراً مطولاً لهؤلاء اللواتي لم تخبرهم
أمهاتهم قط كم هن جميلات، وأن أجسادهن التي تحشر في ملابس تكتم أنفاسهن، وعيونهن
النقية التي يخفونها تحت النقاب كرها على كره ليس بحشمة او الطريق المنقذ من
العذاب واعتذار آخر عن تلك الفتاة التي تخلى عنها زوجها ، وصفعتها ألسنة الحي
بأنها العقيم وسخر منها الشامتون ، وأشرح لها أن الدنيا لا تعبأ بكونها طيبة وهشة
وأن هذا لن يجعلها تتردد لحظة في توجيه ضرباتها القاصمة إليه ، عليه أن يكون أكثر
قوة وأقل جدية.
"سأكتب
للذين يتشبثون بقوة بأمان زائف وأن هذا لن يمنعهم من الموت تحت أي حال من الأحوال
.
"
سأكتب عن الفتاة الابنة ، الأخت ، الأم ،
المربية ، عن أب هجر أطفاله خلف امرأة
أغرته و التي تشققت قدماها من اللف المتواصل طوال اليوم وهي تبيع أحذية لأقدام
أخرى أكثر ترفآ ونعومة، تمسح عن جسدها بصمات أياد
وتحلم بصحن شهي تنبعث منه رائحة أمومه مفقودة .
"سأكتب
عن الذين لا يعلمون ماذا يريدون، والذين يعلمون ما يريدونه ولا يملكون الوصول
إليه، والذين حرموا من إمكانية المحاولة، والذين تم تلقينهم ماذا عليهم أن يريدوا
، والذين اكتشفوا أنهم لا يريدون ما ظنوا
طوال حياتهم أنهم يتمنونه، والذين حصلوا على ما أرادوا بعد أن فقد قيمته.
سأكتب
كثيراً جداً، طالما قررت الحياة أن تتجاهلنا جملة ومن دون ذنب، لعل هذا يخفف
قليلاً من وطأة الألم.

ليست هناك تعليقات