محاربو السرطان
بقلم:
ملاك مقدسي – مجلة إنسان
المشفى
المركزي(قسم العناية المركزة) أمشي بخطا ثقيلة وصوت الممرضة يتردد في أذني "
مات صهيب" في جانب آخر تقابلني
الغرفة التي يرقد بها منذ أسبوعين .. زاحمتني الذكريات تباعاً في تناغم حادٍ مع
خطواتي الثقيلة.
تذكرت
المرة الأولى التي قابلت بها "صهيب"، كان ذلك بعد يوم عصيب قد مر به ما
بين علاج كيمياوي و غياب عن الوعي وآلام
مريرة ، إلا أن ابتسامته غلبت تعبه، ابتسامته التي عرفت فيما بعد أنها كانت أمل كل
المرضى في المركز.
تقدمت نحوه و أخبرته أنني الأخصائية النفسية في المركز،
فصمت قليلا ثم ابتسم و قال: " نحن هنا نستمد القوة من الألم ..مواساتك
الحقيقية لنا هي تفادي الشعور بالشفقة علينا هكذا سنكون أفضل "
كانت
تلك من المرات القليلة و النادرة التي أقابل بها مريض سرطان بذاك العنفوان و القوة
حتى أنني بعدها قررت أن أتخلى عن تسميته بمريض سرطان، واستبدلتها بمحارب السرطان
لأنه كان محاربا حقيقيا، وأملا مستعرا في المكان لم يسمح لألمه بأن يثنيه عن
واجباته الانسانية ، استمر في تعليم الأطفال المرضى في المركز و منحهم القوة و
الأمل ، حتى في أحلك الليالي، وعندما تشتد به الآلام ويتدهور حاله ، حافظ "
صهيب " على صلابته و أمله.
تذكرت
آخر جملة قالها المحارب في آخر حصة من العلاج النفسي الذي لم يكن بحاجة له عندما
سألته عن سر ابتسامته،" دائم الابتسامة يا صهيب !''
قال أنا أخشى
أن يظهر تعبي لمن حولي.. أخشى أن يتمكن منهم اليأس. بسبب عبوس مني، الكل
هنا يعانون من حساسية مفرطة تجاه تعابير الوجوه .. إنهم يبحثون عن قشة أمل صغيرة
يتشبثون بها ، عن ابتسامة واحدة تضيء لهم
الطريق و تنسيهم مرارة الجرعات هنا .. "
أي
قلب ذاك أيها المحارب ..!
اليوم
ينام صهيب طويلاً بلا حراك و لا ابتسامة ..يقف خط القلب على الشاشة بجانبه مستقرا على الصفر .. كل شيء في المركز بدا
حزينا على رحيله ..ممتنا لحضوره الخفيف و روحه العذبة .. رحل صهيب و بقي الأثر.
كل
يوم نخسر مئات المرضى بسبب السرطان .. و نكسب قصة إرادة و كفاح نقصها عليكم لتكون
دروس أمل و إرادة و تشبث بالحياة .."
إلى
مرضى السرطان ..نجوم الصبر .. ورود الأمل .. "

ليست هناك تعليقات