آخر المشاركات

المخيمات والشتاء ومعاناة لا تنتهي ..



بقلم : هادي حاج قاسم – مجلة إنسان

مع بدء فصل الشتاء هذا الفصل الذي يحبه الناس لما يحرك بداخلهم من مشاعر واحاسيس تسمو بهم فوق جميع البشر ..
وكيف لا يحبونه وهو هذا الضيف الدخيل الفصل القاسِ الرقيق ، الهادئ القوي ، العاصف البارد المفعم بأحاسيس السمو عن البشرية.. كيف لا يحبونه وهم يلبسون افخر الملابس وأثمنها ويسكنون بأفخم المنازل المجهزة بآلات الدفء المتعددة في كافة أرجاء منازلهم؟ كيف لا يحبونه وهو موسم أصوات أنامل المطر على ألواح النوافذ الزجاجية التي تهمس بآذانهم أجمل الهمسات، وتطربهم بأصوات النغمات الهادئة، والحساسة والخجولة ؟؟؟

هذا الفصل الهادئ ما يلبس أن يصبح خراباً ودماراً من الخوف وإن لم يكن ف بصوت الرعد الذي لا يستطيع أحد أن يميز بينه وبين القصف سوى أن الاثنين يطلقون كتلة من الصوت توقظ الجميع ليلاً وبالأخص أهلنا القانطين في المخيمات الذين لا يملكون من سبل العيش إلا هذه الخيمة المهترئة التي يعبث بها المطر وأشعة الشمس لتتآكل رويداً رويداً وتبدأ قصة النزيف وتسرب الماء ليعم كافة أرجاء الخيمة بالإضافة إلى الطوفانات التي تتشكل نتيجة المطر الكثيف وبالأخص في المناطق الجبلية التي تتجمع وتركض مسرعةً نحو الوديان التي للأسف تكون أغلبية المخيمات فيها.. نعم في الوديان بين الجبال مع غياب عنصر الدفء ويحل مكانه البرد (( البرد سبب كل علة )) لعدم وجود ديزل للتدفئة أو الحطب أو الفحم أو غياب تام لكافة عناصر الدفء أو غياب المادة النقدية أو فقدان أحد المعيلين من والدين أو أحدهما ... فكيف تريدون أن يحب الفقراء فصل الشتاء وهو سبب المرض والموت والفقر والتشرد والدمار والخوف؟ كيف سيحبونه وهو يقبض أرواح الأطفال الرضع الذين لا يملكون الدفء في خيمهم؟ كيف سيحبونه وهو الفصل الذي تتسرب فيه الماء إلى خيمهم  ليستيقظوا من نومهم المليء بالقلق على ملامس قطرات مطرٍ باردة تلامس وجوهم كأنها سكاكين تغرس في وجوهم وأجسادهم؟ 
كيف سيحبونه وهو الذي يبقيهم على قدم وساق بانتظار إفراغ المخيم من الطين  والمياه المشبعة بالتراب التي ما تلبس أن تقتحم الخيم عنوةً وتلوث كل ممتلكاتهم من مفروشات وألبسة؟
كيف سيحبونه وهم فيه كأنهم الغرقى بطوفان نوح ؟
 كيف يحبونه وهو الذي أصبح ملاذاً للأفاعي والعقاب والحيوانات المؤذية؟
كيف سيحبونه وهو الذي يستيقظ الطفل فيه وهو يبكي ظناً منه أن صوت هدير الرعد هو صوت هدير طائراتٍ وقصفٍ؟
 كيف سيحبونه وقد آذاهم وآلمهم وجرحهم ومزق ملابسهم وخدش مشاعرهم وأحاسيسهم؟
أيها الشتاء ..اذهب ارجوك اذهب ولا تعود إلا وأنت حاملٌ معك فرجٌ من الله عز وجل يريح هؤلاء البشر من ظلمٍ وقهرٍ عانوه على مدار ثمانية سنوات عانوا فيه ما عانوه من كافة أشكال الموت بكافة أنواعه وإلا لاتعد مطلقاً
الثلوج الذي يتمناها البعض هي نوبات موتٍ بطيء بالنسبة لهؤلاء الذين لا يملكون إلا هذه الخيمة المتواضعة التي لا تقيهم من حر الصيف وبرد الشتاء....
أرجوك أيها الشتاء لا تأتي فلقد أكلوا نصيبهم من الجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات..
أيها الشتاء لا تأتي وأنت تحمل معك كثيراً من المعاناة نريدك أن تأتي ببعض الأمل تفرح اليتامى والأيامى والأطفال ..نريدك أن تأتي لتمسح الدمع عن عيون هؤلاء الناس الذين لا ذنب لهم إلا أنهم خلقوا سوريين في بلدٍ تآمر الجميع على أن يدمره ويشرد شعبه..

ليست هناك تعليقات