أسرار حبنا لمحمد عليه الصلاة والسلام
بقلم : ياسر العبيد –
مجلة إنسان
في
شهر ربيع الأول من كل عام هجري تعيش الأمة الإسلامية ذكرى ولادة النبي محمد صلى
الله عليه وسلم
و
ما أكثر الذين يتساءلون عن سبب هذا الحب العظيم الذي تتوارثه أجيال الأمة
الإسلامية عبر عصورها من الذين لم يعرفوا قيمة هذا النبي الأمي الخاتم ،
أقول
الأسباب كثيرة التي تجعلنا نحبه هذا الحب
العظيم أذكر بعضها
أحببناه صلى الله عليه وسلم لأنه نبي الإنسانية
نبي الرحمة النبي الذي عاش حياته كلها من بعثته ليوم موته لأمته ، وصدق الله تعالى
حين قال: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا
عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة:128].
قال ابن كثير في تفسيره: "وقوله:
{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} أي: يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته ويشق عليها،
{حَرِيصٌ عَلَيْكُم} أي: على هدايتكم ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم".
فالنبي
صلى الله عليه وسلم كان يسعى دوما ليخفف عن أمته التكاليف رحيم بها رؤوف عليها .
من
صور وشواهد حرصه صلى الله عليه وسلم على ذلك سؤاله الله التخفيف في الصلاة بعد أن
فرضها الله خمسين صلاةً في اليوم و الليلة و بقي يسأل الله التخفيف حتى أصبحت
الصلاة خمس في الأداء و خمسين في الثواب و
كان أيضاً يترك بعض الفضائل خشية أن تُفرض َ فيشقَّ ذلك عليها، وذلك مثل قوله صلى
الله عليه وسلم:
«لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي
لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلَأَخَّرْتُ صَلَاةَ
الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» (جامع الترمذي؛ برقم: [23]).
أحببناه
صلى الله عليه وسلم لأنه لم يترك الدعاء لنا بكل صلاة صلّاها
عن
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا رَأَيْتُ مِنَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طِيبَ نَفْسٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، ادْعُ
اللهَ لِي، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَائِشَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ
ذَنْبِهَا وَمَا تَأَخَّرَ، مَا أَسَرَّتْ وَمَا أَعْلَنَتْ»، فَضَحِكَتْ
عَائِشَةُ حَتَّى سَقَطَ رَأْسُهَا فِي حَجْرِهَا مِنَ الضَّحِكِ، قَالَ لَهَا
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيَسُرُّكِ
دُعَائِي؟» فَقَالَتْ: وَمَا لِي لَا يَسُرُّنِي دُعَاؤُكَ؟ فَقَالَ صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللهِ إِنَّهَا لَدُعَائِي لِأُمَّتِي فِي كُلِّ
صَلَاةٍ» (صحيح ابن حبان؛ برقم: [7111]، وحسنه الألباني).
أحببناه
صلى الله عليه وسلم لأنه أحبنا و أشتاق لرؤيتنا من غير أن يرانا
و
حالُ المحبِّ أن يحرقه الشوق لرؤية من
يعرفه ويحبه وطال فراقه، أما أن يحدوه الحب إلى رؤية من لم يرَهُ من
قبل، فهذا حب اقتصر على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أتباعه من أمته، الذين
أتوا بعده، ولم يرهم، فهو صلى الله عليه وسلم يود أن يلقانا، وقد قال عنا: إننا
إخوانه، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَدِدْتُ
أَنِّي لَقِيتُ إِخْوَانِي». قَالَ: فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَلَيْسَ نَحْنُ إِخْوَانَكَ؟ قَالَ: «أَنْتُمْ أَصْحَابِي،
وَلَكِنْ إِخْوَانِي الَّذِينَ آمَنُوا بِي وَلَمْ يَرَوْنِي» (مسند أحمد؛
برقم: [12718]، وصححه الألباني).
أحببناه
صلى الله عليه وسلم لأنه أشغل فكره و كل
مافيه شفقة بنا و رغبة أن يرحمنا الله بالجنة
عن
عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه "أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: {رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ
مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [إبراهيم:36]
أحببناه
صلى الله عليه وسلم لأنه احتفظ بدعوة مستجابة له يدعو الله بها من أجلنا يوم
القيامة و تكون شفاعة لنا ، فالله عز وجل أعطى كل نبي من الأنبياء دعوة، أعلمهم
أنها تُستجاب لهم، فنالها كل نبي في الدنيا، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم
ادَّخر دعوته إلى يوم القيامة؛ ليشْفَع لأمته بها عند الله، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه في حديث طويل ومشهور في الشفاعة، قوله: « يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ
رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ:
أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ
أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ
الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ
الْأَبْوَابِ..» (صحيح البخاري؛ برقم: [4712]).
لهذه
الأسباب و غيرها الكثير أحببناه صلى الله عليه وسلم و مما لا شك فيه أن حب النبي
صلى الله عليه وسلم لأمتِه أكثرُ بكثير من حبها له، كيف لا، وقولته المشهورة صلى
الله عليه وسلم يوم القيامة: «أُمَّتِي أُمَّتِي» (صحيح البخاري؛ برقم:
[7510]).
لذلك
مَن كانت هذه صفاته و هذا خُلقه يستحق كل هذا الحب و الإهتمام
و
أسمى مراتب الحب و الاهتمام الذي تقدمه الأمة الإسلامية لنبيها أن تعيش على هديه و
تلتزم منهجه الذي فيه الصلاح و الرضا و السعادة .

ليست هناك تعليقات