يا يما .. وليدي صاير زلمة ؟!
بقلم
: أ. سميرة بدران – مجلة إنسان
على
باب المحكمة المدنيَّة في دمشق، كما في كل نهار منذ بدء الثورة وتفشي الاعتقالات ،
جموع من نساء ورجال تستقرُّ على رصيف المحكمة, بحثًا عن خبر يدلهم على مكان
أبنائهم وأزواجهم وأخوتهم الذين فُقدوا في أحداث شتى.
كل
يحمل صورة لمفقوده، علَّ الخارجين من الجحيم بين فينة وأخرى يعرفون شيئًا, أو
يحملون بشرى لذويه التائهين بحثاً عنه
على
شكل حلقات يتوزعون في زوايا الرصيف الكبير المحاذي للمحكمة ، يتبادلون أوجاعهم
وآلامهم ، وشكواهم ، يتفقدون بعضهم بعضاً ، فصحبتهم في انتظار الأحبة طالت ، تمسح
إحداهن على كتف الأخرى مهدئة إياها من نوبة بكاء حارق ، ويربت أحدهم على ساعد
الآخر مُطمئئنًا, بأن الفرج آتٍ لامحالة؟
الشاحنات
العسكرية الخضراء والباصات البيضاء الكبيرة والفانات المشفرة تتواتر محمَّلة
بالموقوفين من شتى معتقلات النظام التي لا تُحصى ، تدخل إلى ساحة المحكمة بعد أن
تتجاوز الباب الحديدي الكبير،
تتدافع
الجموع للنظر إلى القادمين من خلال فتحات السور, أو الباب الحديدي ،أو بلمحة سريعة
أثناء مرور الحافلة في ثوان قبل دخولها إلى الساحة ، يعلو سباب الحرس القائمين على
الباب ، ينهرون المتدافعين ويكيلون الشتائم بأقذع المفردات ، ثم .. تهدأ الحركة
ويعود الجميع للانتظار، في حين يتهاطل القادمون بقيودهم الحديدية ويتقدمون باتجاه
الباب الرئيسي للمحكمة بعد تلاوة أسمائهم في التفقد من حارس يرافق الحافلة ، يتسلسلون
على شكل أرتال مترابطة بالحديد في نقطتين اليدين والقدمين ويدخلون ببطء وتؤدة
بهيئاتهم البائسة ، حفاة عراة الصدور ، أشاعث الرؤوس أو حليقيِّها ، متورمي
الأطراف وبقع أخرى من أجسامهم ، طال الكثير منهم الجرب فأبلى بهم وشوه تفاصيلهم ،
في
ذلك اليوم ، تقدم باص أبيض كبير يقف على بابه عسكريٌّ ضخم ببارودة طويلة ، تقدَّم
بطيئاً في انتظار فتح مصاريع الباب ، تدافعت الجموع للتبين، ارتفعت يدان مصفرتان
واهيتان من مقعد في مؤخرة الباص ، ثم برزَ رأسٌ حليق صغير ، كانت اليدان تشيران
إلى جهة أم عبدو وتلحُّ في الإشارة ،تلك المرأة التي ودعت طفلها منذ أربع سنوات
إلى المدرسة الإعدادية ولم يعد ، بحثت عنه في كل مكان ، حملت صورته على باب
المحكمة, ولا خبر يشفي غليلها ويبرد لهفتها ، أقامت على الرصيف ، منذ الساعات
الأولى للصباح حتى إغلاق الباب وإعلان انتهاء الدوام في المحكمة ، لم تفقد الأمل ،
لكنها لم تتوقع أن يأتي أمامها هكذا فجأة بلا تحضير أو تهيئة وهي التي كادت أن
تفقد الأمل في العثور عليه حياً
ألحَّت
اليدان في الإشارة فارتفعت أكثر، وتحرك الرأس الحليق بنوبة فرح ، تنبّهت أم عبدو ،
اقتربت قليلاً وهي تُحدِّق من خلال الزجاج ، اقتربت أكثر وهي تزمُّ عينيها
اليابستين ، تنبَّه العسكري فنظر إلى داخل الباص ثم تقدم مسرعًا, متذمرًا في الممر
باتجاه المؤخرة ، رفع بارودته وهوى بعقبها على ذلك الرأس, وهو يشتم ويتوعد ، صاحت
الأم بعد أن صحت من صدمتها ، نفر الدم وفترت اليدين ، وتقدم الباص مسرعاً إلى
الداخل ،
وقعت
الأمُّ مغشيًّا عليها وهي تتمتم :
شاربان
ولحية؟؟ عبدو بشاربين ولحية ؟؟
يا يما وليدي صاير زلمة ؟

ليست هناك تعليقات