آخر المشاركات

مرض الاكتئاب وسر القناعة ..



بقلم : صابرين علوش – مجلة إنسان
كُرتان بحجمِ الليمونة هما القلق والتوتر , ونِقطتان بحجم رأسِ عود الكبريت هما الاستقرار والاطمئنان .. هذا ما قاله طبيب نفسي وهو يِصف عقل شخص مكتئب , قد تعتبر ذلك مُجازاً لكن من الطبيعي أن نشعر أوقاتاً بالضيق و الحزن أو الرغبة بالبُكاء و لكن الاكتئاب هو مشاعر في غاية القسوةِ من الحُزن واللامبالاة قد تستمر اسبوعين أو أكثر تتوقف معها أنشطتك علاقاتك وتفقد رَغبتك في فعل أي شيء ومع ذلك  فالاكتئاب ليس  أمراً سلبي من المُكتئب أو ضعفاً في الشخصية لأن الانسان نهايةً هو عبارة عن كتلةُ من المشاعر والأحاسيس المتنوعة فمثلاُ للحزن دائماً هناك سبب فنحن نعلم ما سبب حزننا ومًنْ الذي أحزننا ولماذا وغالباً ما يكون الحزن فترة وتمضي بينما الاكتئاب هو شيء يجتاحُ جسدك بلا استئذان ولا معرفة ما سبب اجتياحُه وغالباً لم يكن في الأصلِ سبباً مباشراً للاكتئاب الذي تعيشه .
شهر كامل و أنا في المنزل بدون أي شيء مفيد  تجنبتُ الكثير من الاشخاص بلا سبب وتجنبتُ رداتَ فِعلي وحتى الرد على الرسائل التي باتت متراكمة في هاتفي , مُتقوقعة على نفسي وقابلة للانفجار هادئة لكن دواخلي براكينٌ لا تهدأ ممتلئة بألف خدشٍ وندبة لا أعلم ما سببهم  وبالرغم من عُزلتي لم يكن عندي ردة فعل لأي شيء فلم أذكر انني مرة شعرتُ بالجوع أو بالوحدة أو حتى بالرغبة للتحدث مع صديقاتي . لم استطع في ذلك الوقت أن اعرف ما المشاعر التي تَختلج في صدري ولا الأفكار التي تصولُ وتجولُ في رأسي الذي بُتُ أشعر و كأنه كُرة كبيرة لا استطيع حملها من وهمها الثقيل و على وشك الانفجار  .. لم استطع معرفة سوى أنني لدي رغبة بالبكاء والشرود في سقف غرفتي الذي أعرف كُلَّ نُكشٍ فيه ولا اشعر سوى بالتعب اللامنطقي , كانت المرحبا تُخنقني وتحبسُ أنفاسي واهتمام صديقاتي لحالي يزعجني جداً , أخشى أن انظر لأشعة الشمس باتت أشعتها تزعجني الجأُ لغرفتي المظلمة التي لا يمكن أن تتسرب اليها الشمس قَدَرَ خِرمِ ابرة  عاشقةً للوحدة لحدِ الشذوذ .
سراديب وجع كانت كالجاثوم مُسيطرة على جسدي وروحي موشكة على الانطفاء , كان نتاج الأفكار المتزاحمة في عقلي أنني لم استطع بعد مواصلة الحياة لأن هناك شيء أوقعني الوقوع المميت ذاك الشيء الذي لم اعرفه بعد كنتُ اعتقد أنه بأي لحظة سيبتلعني ذلك الظلام الدامس ويقذِفُ بي بعيداً حيث سراديب الألم , انها حالة هستيريا كما قالت لي أمي يوم غضبت من وضعي وصرخَتْ بوجهي لأكُفَ عن هذا الحال الجنوني , فكرتُ للتو أنني كيف سأنجو من معركتي هذه ؟! كيف سأتخلى عن فكرة بقائي في قوقعة الضعف والضياع هذه ؟! كيف سأقنع العالم الخارجي أن سِجنَ ذكرياتي هو حريتي الوحيدة التي أمارسها سراً و كل ما أُعلن أمامهم ما هو الا أضغاث أوهام , كيف سأجبرهم على تصديق أن عزلتي بالتفكير هو حقنتي المهدئة واستَخدمُها باسراف خصوصاً عندما تأتيني النوبة القاتلة بعد الثانيةِ عشرَ ليلاً نوبة الضَعفِ والكِسرةِ والاشتياق .. كيف سأخبرهم أن حقيبتي خلف ستار قلبي .
 بعدما تخطيت هذه فترة التي لم استطع أن اسميها بمسمى  توصلتُ لأن الاكتئاب هو مرض مثله مثل أي مرض أخر مثل الرشح.. الالتهاب .. الصداع .. يحتاج فترة ليخرج مننا لكنه الأقسى والاسرع عودة , انهُ حقاً لو  كان الاكتئاب رجلاً لقتلته .
نحمل بدواخلنا كرهٌ حاد للاكتئاب لكننا لا ننكر فضله علينا .. انه قد يغير مسار حياتنا , ان الشيء الوحيد الذي لم يتوقف خلال فترة اكتئابي هو الكتابة فقد اكتشفت قدرة الشخص المُطارد فكرياً ذو الروح الباردة على استحضار مواهِبهُ أياً كانت , كنت أبحث عن نفسي في كتاباتي طوال الوقت كشخصً مطارد , انها فترة تجربة وتوضيح وتنقيح لكل ما سبق لنكمل الجزء الأخر من حياتنا .
من يقول بأنه  لم يشعر قط بالاكتئاب ولم يشعر بوخزِ الحزن سأقول له انني حقاً أشكُ في آدَمِيَتِكَ , أذكر يوما قالت لي صديقتي في الجامعة ذات الكتاب المغلق والضحكة العالية الجميلة التي لا تفارقها  أنها كلما رأتني تشعُر بوجعٍ بالقلب وشيء ما يُخيم على روحها .. الاكتئاب ليس مُعدي يا صديقة لكنك تواجهي الحقيقة التي تخفيها داخلك , فالاكتئاب لا يجعلك لا تضحكي على العكس فأغلب مرضى الاكتئاب كانوا أكثر الناس ضحكاً ولهواً وليس شرطاً أ يجعلك تنعزلي فأكثر مرضى الاكتئاب من الناس الاجتماعيون بالدرجة الأولى وبنسبة كبيرة الاكتئاب لا يحولك لشخص عدواني بل يُرسخ داخلك السلام واللامبالاة اتجاه الناس .
 رغم أن الاكتئاب نقيضَ الحياة لكنني أُعجب كيف يكون للحياة معنى بلا اكتئاب , قد اختلف العلماء في تشخيص الاكتئاب لكنهم اتفقوا على أن أخطر و أزمن حالات الاكتئاب هم أولئك الذين ينكرون ويرفضون الاعتراف بهِ , أولئك الذين يظنون أنهم أبعد ما يكون عن الاصابة بهِ .
تصالحوا مع اكتئابكم و واجهوه بكلِ استسلام هي سلسلة بسيطة جداً الاكتئاب عِزلةِ النفس ولو كان بين الجموع والعزلة التعرف على النفس ومصالحتها وكلما صالحت نفسك كلما أبدعت وكنت المرساة والركيزة الاساسية لنفسك لرأيت عمق الشعور و أعماق الناس و أفكارهم بعدسة أدقُ من كميرا أُحادية العدسة العاكسة , لعرفت السلام الداخلي .


ليست هناك تعليقات