آخر المشاركات

مواسم .. أمنية والدتي


بقلم : محاسن سبع العرب – مجلة إنسان

مذ وعيتُ إلى هذه الدنيا وأمنية والدتي بأداء فريضة الحج تطرق أسماعي في كل موسم له ، وقبله بأشهر .. وبعده بعدة أشهر أخرى .
 فهي لا تلبث أن تعرض أمنيتها تلك على جميع موائدنا الخالية إلا منها ، وفي كل زيارة تقوم بها لتوديع إحدى صاحباتها الذاهبات إلى هناك .. تعود والغبطة تطل من عينيها .. و أكاد أرى بعض حسد بريء يشوبها ، وكأنه قد آن لكل الأماني والأحلام أن تتحقق إلا لتلك الأمنية اليتيمة والتي قد كـُـتب لها أن تبقى معلقة كتلفريك معطل في منتصف الطريق ، فلا أمي بقادرة على أن تتنازل عنها .. ولا الأمنية بقادرة على منح بصيص من الأمل لتلك العجوز البائسة .
  كان ما يقف عائقا ً في طريق تلك الأمنية للوصول إلى حيز الحقيقة هو قلة ذات اليد .. أو شحّ المادة .. أو بمعنى أبسط .. الفقر .
   فقبل موسم الحج من كل عام تبدأ والدتي بادخار ما يفيض عن حاجتنا ـ نحن العائلة المكونة من تسعة أفراد ـ لتغطي به بالكاد قعر حصالة خبأتها منذ سنوات بالية لهذا الغرض بالتحديد .. إلا أنه وبدوران أيام السنة فإنها تطحن تحت تروسها ما ادخرته ، فمرة لزواج أخي البكر .. وأخرى لعملية جراحية عاجلة لأبي .. وثالثة لسداد بعض ديون متراكمة . وكنتُ أرى ـ أنا شخصيا ً ـ أنه من الممكن أن أرى بيضة الديك قبل أن أرى أمي مُـحْـرمَـة !
   وما فتأت تلك الرغبة تتجذر في نفس والدتي بمرور الأيام .. وصعوبة الذهاب إلى هناك تزداد .. فما كانت تحتاجه منذ عشر سنوات لأداء فريضة الحج أصبحت تحتاج لأضعافه الآن . 
    ذات صباح .. أدخلت والدتي في حصالتها مبلغًا بسيطًا من المال, لا يساوي ثمن وجبة طعام واحدة, على طريق الحج ، وأقسمت أمام الجميع أن هذا المبلغ لن يخرج إلا للذهاب إلى الحج ، وكطفل يتلذذ بجمع فتات المال ليبتاع لعبة أعجبته في دكان الألعاب ؛ غدت والدتي تقتر علينا وعلى نفسها أكثر لتدخر مبلغًا من المال يخولها لأداء فريضة الحج .
كنا أشد فقرا ً وتقتيرا ً من أن نمسك أيدينا عن ملذات هذه الدنيا .. فما يتوفر لنا بالكاد كنا نقيم به أودنا .
     أطفالا ً سُـذجًا نلتف حولها حينما كانت والدتي تبدأ بقص حكاية النوم .. قبل أن نفتح أفواهنا طلبًا لوجبة العشاء، وعندما تكتفي بأن توزع علينا في وجبة الغداء ( عرائس من الزعتر ) كانت تقول لنا مبتسمة :
ـ عندما سأذهب إلى الحج .. سآتي لكم معي بطعام كثيييير.
 ونحلم نحن الأطفال بكلمة ( كثييير ) وكأنها جبال من  اللحوم أو الحلوى . ثم نعب كأس ماء لنزدرد به كسرة خبز جافة غمست على عجلة بالزعتر فلم تلتقط منه إلا النذر اليسير .
    حدثنا أطفال الحارة عما ستجلبه لنا أمي من هناك .. ونقلنا لهم أحاديثها بحذافيرها .. ثم أنها كانت قد وعدتنا بأن تحمل من كل منا ثلاث دعوات لتتضرع بها إلى الله ـ تعالى ـ حينما تصل إلى بيته ، وأعطتنا مهلة ـ طويلة جدا ً ـ لنفكر ونختار على مهل . ومن الطرافة أنني اقتسمتُ أمانيّ تلك مع أحد أصحابي فأعطيته منها الثلث .
    ثم أنه بعد سنتين و نيف ..
أصيبت والدتي بـ ( الزهايمر ) وتوفيت بعد أشهر قليلة .. فاضطررنا لفتح حصالتها وكان ما تحويه بالكاد يكفي لشراء ثوب نكفنها به .. وأجرة ننقدها لحفار القبور .
     كانت مواكب الناس تسير إلى الحج .. حينما سرنا بموكب والدتي إلى مقبرة الفقراء . 

ليست هناك تعليقات