آخر المشاركات

حمودة أنت عايش؟؟؟




بقلم : سميرة بدران – مجلة إنسان

المكان: دمشق , المرجة , رصيف المحكمة المدنية  
الزمان : 2014
تتكدس البضائع من ألبسة وحقائب على الرصيف الأيمن للمحكمة ، ويتوزع باعة الرصيف على السوار المحاذي للشارع العام ، كلٌّ ينادي على بضاعته ، ويدعو المارة للشراء بطريقة ينافس بها أقرانه،تختلط أصواتهم بصوت مسجَّل من آيات الذكر الحكيم هنا ، وصوت فيروز الهادر من هناك ..!!










أما الطرف الأيسر للرصيف فيكتظ بالرؤوس ، نساءٌ ورجال وأطفال ، مقيمين لا يرحلون رغم أنه ممرٌ لعبور المشاة ، آباء وأمهات ، محامون متنقلون بحقائبهم المتورمة ، سماسرة سجون ، نصابون ، شيوخ بعمامات ، وبائع الشاي المتنقل بدراجته الهوائية ،
حلقات دعاء لأمهات منكوبات فاقدات يدعين بمسابح لا تغادر أكفهن ، وصور أحبتهنَّ تقلبْنها مرة أو تضمنها على الصدور أخرى ، ودموع لا تنضب ، تجمعات لآباء كلٌّ منهم يحمل جبلاً من الوجع والألم والشكوى يتبادلون همومهم بانتظار خبر من هنا ، أو بشرى من هناك،
يستغلُّ الفرصة سمسارأو محام دعيٌّ ، يتنقل بين الجموع بقلم وأوراق ، يعرض بضاعته وقدرته الفائقة في تخطي الصعوبات وكشف المجهول ، ملايين الليرات استهلكت على هذا الرصيف بعروض خلَّبية ووعود كاذبة ، لكن (أجنَّة القلوب يهون أمامهم كلَّ شيء) هكذا كانت ترد أم حسين المصرية التي باعت (ما فوقها وما تحتها ) لتعرف أين وحيدها ، وهل هو حيٌّ أم ميت ،حين ألومها على تصديق كل ما يقال ، وعدم التريِّث في بذل الأموال ، كانت كلما سمعت المؤذن يتهيَّأ لأذان الظهر تتوجَّه إليَّ ، تناولني صورة ابنها الشاب بعد أن تمسِّد عليها وتقبلها : خذيها وانتظريه عني ، إن خرج من هنا لا تدعيه يذهب قولي له أمك تصلي في الجامع الأموي وتعود..!!
أما أم ماهر الستينية التي انتظرت ابنها لسنوات ثلاث هنا فقد صارت تميز الخارجين من المعتقلات وتعرف أي الفروع أطلقت سراحهم بمجرد النظر إلى هيئاتهم ، فكانت تجزم أن الخارج ( هذا) كان في فرع الجوية ، وذاك خرج من سجن عذرا أما هذا المهلهلة ثيابه الحافي فلابد أن يكون قادماً من فرع فلسطين ،
في ذلك اليوم انضم وافد جديد إلى مجاميعنا التي بتنا نعرف فيها بعضنا بعضاً ، كعائلة واحدة يجمعنا الهم الواحد والانتظار المرُّ الواحد ، كان الوافد الجديد أشيباً ، يربو على الخمسين من عمره ،متوتراً ، واجماً ساهم النظرات ، جلس ملاصقاً للباب الرئيسي منذ ساعات الصباح الأولى ، ولم يغادر مكانه ، دفعنا فضولنا للسؤال عن همه ، وعرفنا أنه سُلِّم جثة ابنه مشوهة ، دفنها واحتسبه عند الله شهيداً ، وكبت قهره ووجع مصيبته في قلبه، مرت الساعات ، ودخلت وفود الشاحنات العسكرية المحملة بالمعتقلين ثم تلتها الباصات البيض وبعد ذلك الفانات ، وخرجت جميعا ، اقتربت الساعة من الواحدة ، بدأت المحاكمات كما هي العادة من كل يوم ، فاستنفرنا واقتربنا من الباب الرئيسي بانتظار الخارجين من الجحيم  ،
هيَّأت كل واحدة منا صور أحبتها للاستفسار عنهم ، ممن يخرج اللحظة ،فُتح الباب الرئيسي .. تقدم شاب أقرب إلى الطفولة منه إلى الشباب ، لم يتعدى السابعة عشرة من عمره، تحرَّك بوجل واضطراب ، مشى بخوف وارتباك وهو ينظر ذات اليمين وذات الشمال ، وقف الرجل الأشيب فجأة ، ركض إلى الشاب ، أمسك بكتفيه ، هزهما بقوة     (حمودة؟؟؟؟ )
ارتمى الشاب بحضنه وراح يجهش بالبكاء وهو يرتعد ..!
حمله الرجل إلى أعلى وهو ينظر إلى وجهه بحرقة ، ثم وضعه وراح يدور حوله راقصاً مهللاً
( إنت عايش لك إبني ؟؟؟؟)
تلمَّس كتفيه ، هزَّهما ثم رفع كفيه مستنكراً وهو يقلبهما وينظر بغصَّة إليهما
 ( أنا دفنت مين بإيديِّ هذول لك إبني..؟؟  ) لك والله عل أساس دفنتك إلك لك إبني ..!! ضمه بقوة وحمله ثم وضعه على الأرض وراح يرقص حوله مرة أخرى ، توقف وهو ينظر إليه بلهفة وفرح ( لك والله إنت عايش حبيب أبوك) ثم حمله أخرى ودار به وتوقف ، وضع يديه على كتفيه واقتاده محتضناً ، تابعناه ونحن مسمَّرين من هول الصدمة ، قابضين على قلوبنا من الألم ، ملجومين بتفاصيل المفاجأة ، يتأمل الكثير منَّا أن يعيشها بعد أن تناهى إليه أن ابنه ذهب ولن يعود ، نرنو إلى الرجل وابنه وهما يبتعدان متماوجين كراكبين على موجة حالمة  يذوبان في الزحام المتكاثف ، ويختفيان....!!


ليست هناك تعليقات