بقلم أ. إسراء أوليدي
هناك أماكن لا يموت أهلها لأن العالم لا يعرف قصتهم، بل لأن قصتهم لم تجد من يصرخ بها بما يكفي.
في جنوب غرب إيران، تمتد الأحواز، أرضٌ يعيش فيها عرب منذ أجيال، وتحمل ذاكرتها لغةً وهويةً وثقافةً عربية. ومع ذلك، بقيت هذه المنطقة بالنسبة إلى كثير من العالم العربي قضية بعيدة، تُذكر أحيانًا ثم تعود إلى الظل.
في الأحواز، لا تبدو المعاناة دائمًا في صورة قصفٍ أو حرب مفتوحة. أحيانًا تأتي في شكلٍ أكثر هدوءًا: تهميش، فقر، قيود على التعليم والعمل، تضييق على النشاط الثقافي، واعتقالات تطال ناشطين وأفرادًا من المجتمع العربي.
وتوثق منظمات حقوقية دولية حالات لأحوازيين عرب تعرضوا للاعتقال والتعذيب والمحاكمات التي شابتها مخاوف جدية بشأن العدالة والإجراءات القانونية. وفي عام 2021، قالت منظمة العفو الدولية إن أربعة رجال من الأقلية العربية الأحوازية أُعدموا سرًا في سجن سبيدار، مع استمرار السلطات في إخفاء معلومات عن مصيرهم ومكان دفنهم.
والأمر لا يتعلق بالماضي فقط.
في عام 2025، وثقت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» إعدام عدد من الرجال العرب في سجن سبيدار بالأحواز، من بينهم أحمد ناظمي وطالب أحمدبور وهاشم ميرزايي، في قضايا جنائية مختلفة. كما وثقت المنظمة في أكتوبر 2025 إعدام ستة سجناء سياسيين عرب أحوازيين، بينهم علي مجدم، محمدرضا مقدم، عدنان غبيشاوي، معين خانفري، حبيب دريس وسالم موسوي.
لكن خلف كل اسمٍ رقمٍ في خبر، هناك إنسان.
أبٌ لن يعود إلى منزله.
أمّ تنتظر ابنًا لن يطرق الباب.
طفلٌ سيكبر وهو يعرف أن والده اختفى خلف جدران السجن ثم انتهت حياته بحبل المشنقة.
والأشد إيلامًا أن بعض القضايا السياسية للأحوازيين العرب ارتبطت باتهامات خطيرة، بينما قالت منظمات حقوقية إن بعض المحاكمات افتقرت إلى معايير المحاكمة العادلة، وإن هناك حالات تضمنت ادعاءات بالتعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه.
وهنا يجب أن نسأل:
ماذا يحدث عندما تصبح الهوية عبئًا على صاحبها؟
أن تكون عربيًا، وتتحدث بلغة أهلك، وتحافظ على ذاكرتك وثقافتك، لا ينبغي أن يكون جريمة في أي مكان.
ومع ذلك، فإن الحديث عن الأحواز لا ينبغي أن يتحول إلى اختزال كل إعدام أو اعتقال في سبب عرقي واحد؛ فالسجلات الحقوقية تشير إلى أسباب قضائية وسياسية متعددة. لكن وجود نمط موثق من المخاوف المتعلقة بالتمييز، والاعتقالات، والمحاكمات غير العادلة، واستخدام عقوبة الإعدام ضد أفراد من الأقليات، يجعل قضية الأحوازيين العرب جديرة باهتمام حقوقي وإعلامي أكبر.
الأحواز التي نسيها الجميع
ربما أكثر ما يؤلم في هذه القصة ليس فقط ما يحدث داخل السجون، بل ما يحدث خارجها.
أن يموت إنسان ثم يمر خبره سريعًا.
أن يُذكر اسم سجين في تقرير حقوقي، ثم يختفي من الذاكرة.
أن تصبح معاناة شعبٍ بأكمله مجرد فقرة صغيرة في نهاية نشرة أخبار.
غزة يعرفها العالم، والسودان يعرفه العالم، وسوريا والعراق واليمن عرفها العالم بأشكال مختلفة.
لكن ماذا عن الأحواز؟
كم عربيًا يعرف أسماء مدنها؟
كم واحدًا يعرف أن فيها مجتمعًا عربيًا له لغته وثقافته وذاكرته؟
وكم واحدًا يعرف أن منظمات حقوق الإنسان وثقت حالات إعدام واختفاء واعتقال لأحوازيين عرب؟
ربما لا تحتاج الأحواز إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى أن تُسمع قصتها.
أن يُقال إن خلف النفط والأنهار والمدن هناك بشر.
أن يُقال إن العربي الأحوازي ليس مجرد رقم في تقرير، وإن السجين ليس مجرد اسم في قائمة، وإن الأم التي تنتظر ابنها تستحق أن يسمع العالم صوتها.
ليست القضية أن نختار من نكره... بل أن نتذكر من نُسي
الحديث عن الأحواز لا يعني كراهية شعب، ولا يعني تحويل قضية حقوق الإنسان إلى صراع بين قوميات.
بل يعني شيئًا أبسط:
أن يكون الإنسان إنسانًا قبل أن يكون عربيًا أو فارسيًا، مسلمًا أو غير مسلم، مؤيدًا أو معارضًا.
وحين يُحرم إنسان من حقوقه بسبب هويته، أو يُعتقل بسبب نشاطه السلمي، أو يتعرض لمحاكمة تفتقر إلى ضمانات العدالة، فإن القضية تصبح قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية.
ربما آن الأوان أن نخرج الأحواز من هامش الذاكرة.
فالأمم لا تُقاس فقط بما تتذكره، بل أيضًا بمن ترفض أن تنساه.
وفي الأحواز، هناك أسماء كثيرة تنتظر أن تُذكر.
وهناك أمهات ما زلن ينتظرن.
وهناك شعب يريد فقط أن يقول:
نحن هنا... فلا تجعلوا صمتكم دليلًا على أننا غير موجودين.
