بقلم رئيس التحرير أ. مصطفى طه باشا
في كل مجتمع تتغير معايير الناس في الحكم على
الآخرين، لكن الخطورة تبدأ عندما يتحول المال والمظهر والقدرة على صناعة الصورة
إلى معايير أساسية للمكانة الاجتماعية، بينما يتراجع حضور العلم والفكر والأخلاق
والتقوى إلى الصفوف الخلفية،
لقد أصبحنا، في جانب من حياتنا
المعاصرة، أمام مشهد يستحق التأمل: شخص قد يحظى بالاهتمام لأنه يملك المال أو
الشهرة أو القدرة على استعراض ما يملك، بينما قد يمر صاحب العلم والفكر والخبرة
مروراً عابراً، وكأن المعرفة لم تعد كافية لمنح صاحبها مكانته، وكأن قيمة الإنسان
أصبحت تقاس بما يظهره أمام الناس لا بما يحمله في عقله وقلبه من علم وتجربة
وأخلاق، وليس المقصود هنا ذم المال أو أصحاب الثروة؛
فالمال في ذاته ليس عيباً، بل قد يكون وسيلة للبناء والعطاء وخدمة المجتمع، كما أن
المظهر الجميل ليس مذموماً في ذاته، إنما المشكلة حين تتحول هذه الأمور إلى معايير
وحيدة للحكم على الإنسان، وحين يصبح امتلاك المال سبباً للتقدير ولو غاب العلم،
بينما يصبح صاحب الفكر محتاجاً إلى تبرير وجوده وإثبات قيمته.
من مجتمع يفاخر بالعلم إلى مجتمع يفاخر بما
يملك
عرفت الحضارة العربية والإسلامية في مراحل
ازدهارها تقديراً واسعاً للعلم وأهله، وكان العالم والمفكر والفقيه والأديب
والطبيب وصاحب الخبرة يحظى بمكانة لا تقوم على حجم ما يملكه من مال، وإنما على
مقدار ما يقدمه من معرفة ونفع،
وكان السؤال عن الإنسان في كثير
من البيئات: ماذا يعرف؟ ماذا قدم؟ ماذا علّم؟ وما أثره في الناس؟
أما اليوم، فقد تتقدم أسئلة أخرى إلى
الواجهة: كم يملك؟ كيف يبدو؟ كم عدد متابعيه؟ ما نوع سيارته؟ أين يسافر؟ وما
الصورة التي يستطيع أن يصنعها عن نفسه؟ وهنا يحدث التحول الأخطر: من قيمة الإنسان
الحقيقية إلى صورته الاجتماعية.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم تعد
الشهرة بحاجة دائماً إلى علم أو إنجاز حقيقي؛ فقد يستطيع المحتوى السريع والصورة
اللافتة والخطاب المثير أن يمنح صاحبه حضوراً يفوق أحياناً حضور المتخصص الذي أمضى
سنوات في الدراسة والبحث والعمل،
وهذا لا يعني أن وسائل التواصل
الاجتماعي شر في ذاتها، فهي أدوات يمكن أن تنشر العلم والثقافة والمعرفة، لكنها
تصبح مشكلة عندما تتحول إلى سوق تقاس فيه قيمة الإنسان بعدد المشاهدات والإعجابات،
لا بعمق الفكرة وفائدة المحتوى.
حين يصبح المظهر بديلاً عن الجوهر
المجتمع الذي يبالغ في تقديس المظاهر معرّض
لأن يقع في خطأ جوهري: أن يخلط بين الصورة والحقيقة، قد يبدو
الإنسان ناجحاً لأنه يرتدي أفضل الملابس، أو يقود سيارة فاخرة، أو يعيش في مكان
راقٍ، أو يعرض حياة مثالية على المنصات، لكن هذه الصورة لا تخبرنا بالضرورة عن
علمه أو أخلاقه أو أمانته أو أثره الحقيقي في المجتمع، وفي المقابل،
قد يعيش صاحب علم أو فكر حياة بسيطة، بعيداً عن الأضواء، لكنه يحمل في عقله ما
يمكن أن يغير حياة أجيال كاملة،
المشكلة إذن ليست في أن يمتلك
الإنسان المال، وإنما في أن يصبح المال لغة الاعتراف الاجتماعي الوحيدة، وليست المشكلة في أن يهتم الإنسان بمظهره، وإنما في أن
يصبح المظهر بديلاً عن الأخلاق والعلم والجوهر.
الرويبضة... حين يتراجع أهل الاختصاص
وفي التراث النبوي تحذير بالغ الدلالة من
انقلاب الموازين الاجتماعية والمعرفية، ومن أن يتصدر الحديث في شؤون العامة من لا
يمتلك الأهلية لذلك،
قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها
الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتَمَن فيها الخائن، ويُخوَّن فيها الأمين،
وينطق فيها الرويبضة، قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة.
الحديث يحمل دلالة أخلاقية ومعرفية عميقة:
خطورة أن يتصدر الشأن العام من لا يملك العلم أو الأهلية، بينما يتراجع أهل
الاختصاص والمعرفة،
وهذه القضية تبدو أكثر أهمية في
عصرنا؛ لأن وسائل الإعلام ومنصات التواصل أتاحت لأي شخص تقريباً أن يخاطب آلاف
الناس أو ملايينهم خلال دقائق، وهنا تصبح مسؤولية المجتمع أكبر في التمييز بين
صاحب المعرفة وصاحب الشهرة، وبين المتخصص وصانع الضجيج.
لا يمكن تحميل العولمة وحدها مسؤولية كل ما
تغير في المجتمعات العربية والإسلامية، فالتغير الاجتماعي ظاهرة مركبة تشترك فيها عوامل
اقتصادية وثقافية وتعليمية وإعلامية وتقنية، لكن العولمة،
بما حملته من انتقال سريع للأفكار والصور وأنماط الاستهلاك، ساهمت في جعل
المجتمعات أكثر تعرضاً لنماذج عالمية مختلفة من النجاح والمكانة الاجتماعية.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بمحاربة
الأغنياء، ولا برفض التطور، ولا بالعودة إلى الماضي بصورة رومانسية، وإنما بإعادة
بناء سلم القيم الاجتماعية،
كما أن المؤسسات التعليمية
والإعلامية والثقافية مطالبة بدور أكبر في صناعة نموذج مختلف للنجاح؛ نموذج لا
يجعل النجاح مرادفاً للثراء والاستعراض، بل يربطه بالعلم والعمل والإبداع وخدمة
المجتمع.
إن المجتمعات لا تنهض بكثرة السيارات الفاخرة
ولا بكثرة الصور ولا بعدد المشاهير، وإنما تنهض عندما تجعل العلم قيمة، والعمل
شرفاً، والأخلاق معياراً، والخبرة محل احترام، والإنسان أكبر من مظهره وثروته، ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن نعيدها إلى أجيالنا
اليوم هي أن امتلاك المال ليس عيباً، وأن حسن المظهر ليس عيباً، وأن الشهرة ليست
جريمة؛ لكن الخلل يبدأ عندما نسمح لهذه الأشياء بأن تصبح المقياس الوحيد لقيمة
الإنسان، فالأمم التي تحتفي بعقولها تصنع مستقبلها،
أما الأمم التي تحتفي بمظاهرها وحدها فقد تنشغل بالصورة وتنسى الإنسان.
