بين هدير الملاعب وأزيز الصواريخ... كأس العالم يذكّرنا بأن الإنسانية حاضرة




بقلم مصطفى طه باشا

 

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم إلى ملاعب كرة القدم، حيث تتعالى هتافات الجماهير وتُرفع أعلام الدول في مشهد يعكس شغف الشعوب بالرياضة، لا تزال مناطق أخرى من العالم تعيش على وقع أصوات القصف والدمار، وفي مقدمتها غزة ولبنان، حيث أصبحت الحياة اليومية معركة من أجل البقاء، لا مناسبة للاحتفال.

قد يبدو التناقض قاسيًا بين فرحة هدف يُسجل في ملعب عالمي، ودمعة طفل فقد منزله أو أحد أفراد أسرته تحت أنقاض الحرب، لكن هذه المفارقة ليست جديدة على البشرية، فقد اعتادت الحياة أن تسير بخطين متوازيين؛ أحدهما يحمل الأمل، والآخر يحمل الألم ، ورغم ذلك، يبقى لكأس العالم معنى يتجاوز حدود المنافسة الرياضية، فهو الحدث الوحيد تقريبًا الذي يستطيع أن يجمع مليارات البشر حول شاشة واحدة، بمختلف لغاتهم وأديانهم وأعراقهم وانتماءاتهم السياسية، ففي المدرجات يقف المشجع إلى جانب من يختلف معه في كل شيء، لكنهما يتفقان على حب اللعبة، وعلى احترام المنافسة الشريفة ، لقد أثبتت الرياضة عبر التاريخ أنها لغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم، ورسالة سلام تستطيع أن تعبر الحدود التي تعجز السياسة أحيانًا عن تجاوزها، فداخل المستطيل الأخضر تختفي الفوارق، ويصبح الإنسان مجرد عاشق لكرة القدم، يصفق للمهارة، ويحترم الروح الرياضية، ويؤمن بأن الفوز الحقيقي هو في اللقاء لا في الخصومة ، لكن هذا لا يعني أن نفرح وننسى ، فالاحتفال بكأس العالم لا يجب أن يحجب عنا صور الأطفال في غزة، ولا معاناة الأسر التي دفعت أثمان الحروب في لبنان وسواهما، بل لعل هذه المناسبة العالمية تكون فرصة لتذكير العالم بأن الإنسانية لا تكتمل إذا احتفل جزء منها بينما يصرخ جزء آخر طلبًا للأمان.

 

إن أجمل ما يمكن أن يقدمه كأس العالم ليس فقط تتويج منتخب بالكأس، وإنما ترسيخ فكرة أن الشعوب قادرة على الالتقاء مهما اختلفت، وأن المنافسة يمكن أن تكون شريفة دون كراهية، وأن الانتصار لا يكون بإقصاء الآخر، بل باحترامه ، العالم اليوم بحاجة إلى أن يستلهم من الرياضة قيمها الحقيقية؛ اللعب النظيف، واحترام الخصم، والعمل الجماعي، والإيمان بأن الحوار أفضل من الصراع، فلو انتقلت هذه المبادئ من الملاعب إلى السياسة، لربما أصبحت أصوات الجماهير أعلى من أصوات المدافع، وأصبحت الكؤوس تُرفع في الملاعب فقط، لا صور الضحايا في نشرات الأخبار.

سيظل كأس العالم مهرجانًا عالميًا للفرح، لكنه سيكون أكثر جمالًا عندما يأتي في عالم أكثر عدلًا، حيث يحتفل الأطفال بالأهداف بدلًا من الاختباء من القذائف، وتُضاء الملاعب بالأضواء لا بنيران الحروب، وتصبح الرياضة جسرًا حقيقيًا يعيد إلى الإنسانية إيمانها بأن السلام هو أعظم انتصار يمكن أن تحققه البشرية.


تعليقات