بقلم رئيس التحرير أ. مصطفى طه باشا
يشهد
العالم اليوم تسارعًا ملحوظًا في وتيرة التغييرات؛ تغيّرات اجتماعية, واقتصادية,
وتكنولوجية, وصحية, بل وحتى على مستوى العلاقات اليومية, أمام هذا الواقع المتحوّل,
يصبح التكيّف مهارة أساسية للبقاء والتقدّم, وليس مجرد سلوك اختياري, فالتكيّف
يعني قدرة الإنسان على تعديل أفكاره ومشاعره وسلوكياته بما يتناسب مع الظروف
الجديدة, دون أن يفقد هويته أو قيمه الأساسية.
التكيّف
ليس استسلامًا للواقع, بل هو وعيٌ بالمتغيرات وإعادة تنظيم للحياة بصورة أكثر
مرونة, الإنسان الذي يتكيّف يُحوّل التحديات إلى فرص, ويتعامل مع الضغوط بذكاء,
ويطوّر مهارات جديدة تساعده على النجاح في بيئات مختلفة, ومع تطور الحياة المستمر,
فإن الجمود الفكري يضع الفرد خارج دائرة الفاعلية والتطور, الآثار الإيجابية
للتأقلم مع التغيير كثيرة أهمها؛ تعزيز الصحة النفسية, حيث يساعد
التكيّف على تقليل التوتر والقلق؛ فحين يفهم الإنسان طبيعة التغيير ويقبل به, يشعر
بقدر أكبر من السيطرة على حياته, ما يعزز التوازن الانفعالي والهدوء الداخلي,
وأيضًا تنمية المرونة النفسية؛ فالمرونة تعني القدرة على النهوض بعد
التعثر, الشخص المتأقلم يتعلّم من التجارب بدل أن يبقى أسير الإخفاق, ويكتسب خبرات
تجعله أقوى في مواجهة الأزمات المقبلة, وأيضًا تحسين العلاقات الاجتماعية؛ الإنسان
المرن يتفهّم اختلاف الآخرين وظروفهم, فيتواصل معهم بفعالية أكبر, هذا ينعكس إيجابًا
على العمل والأسرة والمجتمع, ومن الآثار أيضًا زيادة فرص النجاح والتطور المهني؛ التكيّف
مع متطلبات سوق العمل والتكنولوجيا الجديدة يفتح آفاقًا للتعلم والابتكار, ويمنح
صاحبه فرصًا أوسع للنمو, ومن الآثار أيضًا الشعور بالرضا؛ فحين يدرك الإنسان أنه
قادر على التغيير والتجديد, يتولد لديه إحساس بالإنجاز والرضا عن الذات, ما يدعم
دافعيته للحياة, أما الآثار السلبية لعدم التأقلم وتأثيرها النفسي, فأهمها القلق المستمر والخوف من المستقبل؛ يرتبط
الرفض المستمر للتغيير بشعور دائم بعدم الأمان, ما يزيد من القلق والتوجس ويؤثر في
القدرة على اتخاذ القرارات, وأيضًا الاكتئاب وفقدان الدافعية؛
حين
يشعر الإنسان بالعجز أمام المتغيرات, قد ينسحب من الحياة تدريجيًا, فيفقد الحماس
والهدف, وتظهر أعراض نفسية كالانطواء والحزن المستمر, ومن السلبيات التوتر الجسدي
والنفسي؛ عدم التأقلم يرفع مستويات الضغط النفسي,
وهو مرتبط بصداع واضطرابات النوم, ومشكلات في الجهاز الهضمي والقلب على المدى
البعيد, ومن السلبيات أيضًا ضعف العلاقات وتزايد الخلافات؛ التشبث
بالماضي ورفض الجديد قد يخلق فجوة بين الفرد ومن حوله, ويزيد من الصراعات في البيت
والعمل, وآخر هذه السلبيات تعطّل النمو الشخصي والمهني؛ الجمود
يمنع الإنسان من اكتساب مهارات جديدة, ويحد من فرصه, ويجعل أداءه أقل قدرة على
مجاراة الواقع, ننمي مهارة التكيف من خلال؛ القبول الواقعي بالاعتراف بأن التغيير
جزء طبيعي من الحياة, والتفكير الإيجابي المرن, والبحث عن الفرص بدل التركيز على
الخسائر, والتعلّم المستمر؛ باكتساب مهارات ومعارف جديدة, والدعم الاجتماعي؛
مشاركة المشاعر مع العائلة والأصدقاء أو المختصين, العناية بالنفس؛ النوم الكافي,
النشاط البدني, وتنظيم الوقت.
إنّ
التكيّف ليس تنازلًا عن الذات, بل هو فن إدارة الذات في عالم متغيّر, كلما ازداد
وعي الإنسان بمهارة التأقلم, قلّت الضغوط عليه, وازدادت فرصه في تحقيق توازن نفسي
وحياة أكثر استقرارًا وإنتاجية, أمّا رفض التغيير والجمود, فغالبًا ما يقود إلى
آثار نفسية واجتماعية مؤلمة قد تعيق مسيرة الحياة.
