آخر المشاركات

معشر الأدباء



بقلم أ. شريفة زرزور


يقال عنا نحن معشر الأدباء أننا مقاومون بالكلمة ، أنتشي بهذا الإطراء و أحتفي بترف ارتقائي لمنزلة مقاوم ، أرفع رأسي مزهوةً ، أشد أكتافي بفخرٍ ، أتخيلني جندياً مغواراً سينقذ العالم ، فأشهر القلم سلاحاً فتَّاكاً في وجه الأعداء ليرتّدوا على أعقابهم خاسئين خائبين ، و أحشو معاني الكلمات ذخائراً و رصاصاً في بندقية أو ربما أفجرها قنبلة على رؤوس المعتدين ، أكتب نصوصاً أدبيةً منمقةً أتفنن في انتقاء كلماتها بحذاقة أقدِّمها دليل إدانة أهزمُ به أدوات المحتل و ذرائعه أمام المجتمع الدولي .ثم … ثم أتركني من خيالي الفسيح و أتربص خلف شاشة هاتفي أراقب على صفحات التواصل أمامي و على مرأى العالم مشهد طفلة مهجرة قسرياً إلى مخيم بائس ، تقطر خصلات شعرها الشقراء ماءً ، أراها ملتحفة ببقايا أسمالٍ مبللة بمطر الشتاء ، مرتعشة من شدة البرد كورقة حور وحيدة ، شفتاها ترتجف ، أسنانها تصطك من الصقيع ، تحدق إلى الكاميرا بعينين غارقتين بسؤال واحد : ماذا بعد ؟؟  هنا ، في هذه اللحظة تحديداً أشعر بحماسة ذلك الجندي ( الذي حدثتكم عنه قبل قليل ، أتذكرون ! ) و أبدأ رحلة بحث مع تقصّيٍ سريع عن كلمة خاطفة أكتبها فتشتعل عود ثقاب يشع دفئاً مفقوداً لا ينضب ينعم به جسدها الناعم ، و أفكر على عجالة إن كان بإمكاني نسج جملة معبرة تتحول بسحر كلماتي إلى مظلة ملونة تحملها يديها الصغيرتين فتقيها انهمار مطر غزير ، ماذا أيضاً ؟مهلاً … مهلاً … لعلي أتمكن من تأليف بيت شعر ذي جرس موسيقي عذب أو أعثر على قصيدة غزلية كتبتها ذات مساء أحيكها على شكل رداء صوفي أو معطف شتوي أو شال كشميري تلفه على عنقها العاري . و لوهلة أدرك إخفاق الكلمات و يتنازعني الضعف و الفشل . حينئذٍ تعرَّت مقاومة الكلمات و فقدت معناها و كُشِفت هشاشتها و ها أنا ذا أتهاوى معها من العلياء و أعلم أن لا حول لي و لا قوة لكلماتي فأصمت … أصمت … أصمت أمام قسوة الأيام و أجدني عاجزة … عاجزة … عاجزة أمام واقع قاس و مؤلم .


Keine Kommentare