آخر المشاركات

لا تخَف من خوفك!




بقلَم الكاتبة العراقية أ. مينا راضي - صحيفة إنسان

 

ها أنا ذا مرةً أخرى، أقف متجمِّدةً على باب فرصةٍ جديدة. كان الباب كالعادة مفتوحًا على مصراعيه، و العتبةُ تنتظرُ خطواتي، و أفقُ ذلك المستقبل يرمقُني بنظرةٍ ملؤها التحدّي. اعتلجَ في أعماقي شيءٌ من الشماتة بنفسي، هناك شيءٌ كالعادةِ يمنعني من التقدم صوب ذلك الباب، يقدُّ ياقَتي كقاطع طريقٍ تملَّكه الطمع. إنه الخوف مرّةً أخرى، القاتل المُتسلسلُ لمُحاولاتي، ذلك الاستدراكُ الدخيلُ على كل العباراتِ التي كنت أحدُّثُ بها نفسي، بل هو ملكُ الأحاديث الداخلية. يدقُّ جرسُ إنذار الحريق كلما اندلعَت نيرانُ الرغبة الجامحة في دهاليزي، كلما هممت بفعل شيءٍ مختلفٍ أو الإقدام على مشروعٍ جديدٍ يحضرُ ذلك الخوف ليسبق الأمور و يطلعَني على النتائجِ و النهايات، كأنه يحملُ بين يديه كرة التنبؤات العجيبة، ينقضُّ عليَّ ليقتل فكرةً ما تزال قيد الإنشاء. كم هو سفّاحٌ ذلك الخوف، يقتلُ الجنائنَ قبل أن تولد و ترى نور الواقع، يحبُّ إجراء عمليات الإجهاض حتى لو لم ترِد عقولُنا ذلك.

لماذا نخافُ من الخوف؟ و ما سرُّ اتِّباعنا لتلك الأوامر التي يُمليها علينا قبل كل محاولة؟ في إحدى الليالي و بينما كنت أرسم خطَّ محاولةٍ جديدٍ لإحدى المشاريع الدراسية داهمَني ذلك الضيف الثقيلُ للمرّة الألف، لم يُلقِ التحيةَ كسائر الضيوفِ و إنما بدأ فورًا باسطوانته المعهودة و وساوسه التي حفظتُها عن ظهر قلب، في تلك المرّةِ قرَّرتُ استخدام أسلوبٍ مغايرٍ و خطّةٍ جديدةٍ للتعامل مع ذلك الصديق العدو. ألقيتُ نظرةً في داخلي و تأمَّلت تلك الطفلة الخائفة، بل إنها كانت ترتجف خوفًا. كانت تريد أن تهرب من أي نافذة، أن تعود لمنطقة الراحة بأي ثمن، كانت سفينةً تبحرُ في محيطٍ من التيه، غارقةً في زبد المخاوف و الاحتمالات، باحثةً عن منارةٍ أو بوصَلةً تضيءُ لها الطريق. ابتسمتُ لها و أنا آخذُ سلسلةً من الأنفاس العميقة، تناهت إلي صورتي و أنا أمسكُ بيدها الصغيرة و أربِّتُ على كتفها بحنان. لقد كنا لأول مرّةٍ بعيدتينِ عن ذلك العالم الخارجي، مُختبئَتين في فقّاعةٍ موصَدةٍ ليس فيها سوى ذرّات السلام و الأنفاس الداخلة و الخارجة. أدركتُ في تلك الليلة النورانية أن خوفي كان طبيعيًا، و عرفت أن الخوف ليس سوى إحساسٍ غريزي لا يحضرُ إلا ليخبرَنا أننا مقبلون على أمرٍ كبير.

"لا تخَف." نصيحةٌ مغلَّفةٌ بقالبٍ جاهزٍ لطالما سمعناها من أفواه المحبّين، إنها عِبارةٌ تقفُ على طارفِ ألسنةِ الناصحين، تُقالُ دائمًا بدافع الحُبِّ و التشجيع إلا أنها قد لا تكون النصيحة الأمثل. إذ أن المرءَ يجب ألا يقمع خوفه و يدحضَ وجَفَه تحت طبقات القوة المزيفة، ذلك أن الخوف ليس سوى دلالةٍ على أننا على وشك الخروج من دائرة الراحة. على العكسِ تمامًا يا عزيزي القارئ، يجدرُ بالإنسانِ مواجهةُ ذلك الخوفِ ثم تقَبُّلهُ و مُصافحته، فهو مؤشِّرُ خير. قرأتُ في كتاب (أفكارٍ صغيرةٍ لحياةٍ كبيرة) للكاتب كريم الشاذلي أن علماءَ النفس ينصحونَ الخائفين بمصارحةِ أنفسهم و مواجهةِ بواعثِ الخوف لديهم، و ذلك من خلالِ وضعِ أيديهم على مكامنِ الداءِ و البدئِ بمواجهةِ غول مخاوفهم و رهباتهم. إن الإنسان الذي لا يخافُ لا يسمحُ للتجربةِ بصَقله، و من يحرمُ نفسه لذّةَ التجربةِ لا ينال شرف الحياة. فالحياةُ في نظَري ليست سوى معمَلٍ كبيرٍ للأبحاث و التجارب.

 

ليست هناك تعليقات