في منتصف الطريق
لقد كان
بمثابة منتصف الطريق لأولئك الذين غادروا و أفلتوا أيدينا عمدا ، رحلوا دون مقدمات
، نهايات أو حتى انحناءات ، ظنا منهم أننا ابتعلنا ذلك الوهم المغلف برداء التضحية
..
فلسفات
المودعين الفارين من طوق الوفاء تشدقت كثيرا حتى طالت عنان أحلام فأفسدت شبابها ،
و حطمت سرادقها حتى ضاعت ، و تبعثرت الأمنيات و هطلت دموع كالمطر ، لكنها لم
تبللهم ، كانت مظلتهم كبيرة جدا ، تمنعهم من الامتنان ، العرفان و الوفاء ..
لقد راودهم
الكثير من التيقن في أن ابتعادهم سيكون بمثابة حياة جديدة لهم و نهاية الحياة
بالنسبة إلينا ، ليتبين لهم كم كانوا مضللين ، و كم كان قرارهم أحمقا لا ينم إلا
عن أنانية مفرطة ..
حين كنا ننصاع
لرغباتهم المتتابعة ، لم يكن ذلك إلا طيبا خليقا بالذكر ، زيننا به أرواحنا ، و ارتقى
به صبرنا على من كانت كل عطاياهم زائفة و كل كلماتهم كالجرح الذي لا نحس بألمه و
حراراته المتقدة إلا بمرور الوقت ..
لقد رحل
الحاضرون و بقي الغائبون ، حضرت الابتسامات المتجملة ، و بقي عبق الراحلين قسرا ،
كل ما ظننا أنه حقيقة كان وهما ، إلا أن الوهم الحقيقي الوحيد و الحقيقة التائهة و
المتفردة التي يتوجب أن نتشبث بها هي " أنا " ، بصيغة الماضي و الحاضر و
المستقبل التي تلازم فاعلا يتغير لكنه لا يتلاشى لأي سبب من الأسباب ..
إننا في هذه
الحياة تعودنا أن كل شيء يشبه الحقيقة الأم ، أن كل شيء يتغير و يتقلب ، و لكل شيء
موسم للذهاب و العودة ، هم كذلك لهم مواسم للرحيل و للحضور ، تستمر الحياة بهم و
من دونهم ، لكننا نحمل في قلوبنا من لا تتبدل عليهم المواسم ، نحافظ عليهم من كل
تقلبات الكون و البشر و النفوس ، من اهتراءات بلينا بها تتعلق حول أرواحنا فتصيبها
أقدارنا بسهم يخترق كل صفحات الكتاب دون أن ينزف جرحه ..
و في نهاية الطريق ، أو بداية الطريق الآخر ، يتبين أن ما ظنناه صعبا كان يسيرا ، و أن ما تملكنا من رهبة الزوال كان أهون بكثير من لحظة لقاء محض صدفة ، و أن الموت الذي ظنناه قدرا في فراقهم ، كان عودة للروح التي سلبها من لا يستحق !

No comments