عوالم موازية



بقلم الكاتبة الفلسطينية أ ندى دخل الله - صحيفة إنسان

قرأت ذات مرة، أن الكاتب الحقيقي هو الذي يحدثك عن البحر، فتتحسس الملوحة في فمك ، باحثاً عن حلول سريعة في إمكان تحويل سريرك إلى زورق، لو فاض الماء من زوايا الغرفة..
من هنا كانت البداية، بعد أن ضاقت بي نفسي في ليالي الحجر الصحي وانقطاعي عن العمل، فأخذت انتقل في عوالم أخرى لم يجد لها الفايروس طريقاً، أو على الأقل لم أصادف فيروساً في طريقي رغم أنني تسكعت في شوارع تعج بالوباء، وتنشقته وعايشته في _ الحب في زمان الكوليرا _ ومن شوارع المدينة النائمة المشبَّعة ببخار الماء، والمجاري الموبوءة بالفئران، وحي العبيد القديم، والمباني المعمارية المتحللة، والسكان المتعددين إلى رائحة ليست بالبعيدة عن هذا الشيء كانت الرائحة وحدها من يقودني باتجاه واحد، باريس مَن غيرها، شيئاً فشيئاً وعلى مسافة أمان كنت أراقب غرونوي العّطار المعجزة في رواية الألماني باتريك زوسكيند_ العطر _ ذلك الفتى الذي لا تقيده أيَّة ضوابط للوصول إلى مبغتاه لا أخلاقية ولا قانونية حتى ولو كانت القتل!!!
تعددت الأسباب والقتل واحد، والقتلة يتوزعون في أقصى الأرض وأدناها، وهذه المرة كانت الوجهة نحو الشمال البارد جداً، راسكولينوكوف بطل فيودر ديستويفسكي في رواية _الجريمة والعقاب _، بصرف النظر عن دوافعه الأولى للجريمة، كان الأهم هو تطور الدافع مع مرور الزمن ليصبح القتل غاية نفسية لإسكات صوت الضمير المزعج والمؤرق، لتصبح الجريمة عقاب، إنها لمعجزة حقاً!!!
مَن يدري، ربما لم ولن تكون المعجزة الأولى من نوعها، ولا حتى الأخيرة، مَن كان يتوقع أن عماد ذو الجسد الضخم تدخل روحه عنوةً في جسدٍ أصغر من أن يستع لها، جسدٌ ناعمٌ يعلو رأسه شعرٍ ناعم ذو بنيةٍ مألوفة وليست بالغريبة عليه، إنه جسد زوجته غادة، وفي تلك الأثناء تتجول روح غادة مستمتعة بالمكان الكافي في جسد عماد...
تبادل أرواح، هذا ما حدث بالتحديد في رواية _ أرواح عالقة _ والتي تحلق بنا بعيداً عن قيود المنطق لنصل في النهاية للمنطق، إنها حقاً معادلة غريبة لكن ربما هذا ما ينقصنا حقاً ليعيَ كلٌّ بمعاناة الآخر...
من كتاب لآخر، ومن معاناةٍ لأخرى كان لابد من الوقوف قليلاً مع ما يعانيه باعة الكتب حول العالم وأخذت استمع إلى
_ أغرب الأشياء التي يقولها الزبائن في متاجر الكتب _...
عليّ أن اعترف لم يكن ليسليني أكثر مما سمعته، حقاً إن الكتب عوالم موازية، موازيةً تماماً لما نعيشه ونحياه مهما احتوت بين دفتيها على ضروب الخيال، فإنها وفي موضعٍ ما تعكس ما نحياه، أو بتعبير أدق تحيا معنا ونحيا بها.

تعليقات