الإرهاب في ثوب الحداثة
بقلم
أ دينا الزيتاوي - صحيفة إنسان
يعد
الإرهاب ظاهرة سياسية ليست بالحديثة و لا المحصورة بمكان أو زمان أو ديموغرافيا
بعينها، و مصطلح الإرهاب متداول على مستوى الخطاب السياسي و على مستوى العامة في
جميع أرجاء العالم. استمد هذا المصطلح من الفلسفات التي بررت استخدام الإرهاب
كوسيلة للوصول للغاية، فالمصطلح في الأصل ذو جذور غربية بالكامل كما يؤكد الباحث
أحمد جلال عز الدين. و القاعدة الأساس التي هيمنت على الإرهاب في العصر الحديث هي
"أرعب عدوك و انشر قضيتك "، و هي جملة تكررت كثيراً حتى أن شخصية خالد
الإرهابي التي لعبها الممثل سيف الدين خان في احد الأفلام كررها كثيرا كأنه يقنع
المشاهد بثقلها و أهميتها، كما يهدف الإرهاب لنشر الرعب و الفزع بين الناس لجذب
الرأي العام باتجاه مطالب المجموعة التي قامت بالعمل الإرهابي.
تطور
وسائل الاتصالات بكافة أنواعها أدت إلى تطور الأعمال الإرهابية كنوعية و دقة،
واستغل الإرهابيون وسائل الاتصال لزيادة نشر عملياتهم الإرهابية في المجالين
الزمني و المكاني. و لهذا السبب تعد الأعمال الإرهابية حاليا هي الأرخص و الأقصر
طريقا للحصول على الهدف المطلوب، فما لا يمكن تحقيقه بالطرق القانونية و المفاوضات
يمكن تحقيقه بسهولة عن طريق الإرهاب، الذي يخلف الكثير من الضحايا و الخسائر.
قد ساهمت
ممارسات بعض الدول و الحكومات بتواطؤ مع المنظمات الإرهابية إلى إيجاد المظلة
المناسبة لقيام هذه المنظمات بالأعمال الإرهابية و توفير إمكانيات واسعة تساعد في
تنفيذ الأعمال الإرهابية، كما و أن الدول الكبرى تمارس الإرهاب في الخفاء و تتظاهر
أمام المجتمع الدولي بمكافحة هذه الظاهرة، وقد شهد العصر الحديث العديد من
المنظمات الإرهابية المنتشرة في الكثير من دول العالم، و التي بدورها قد ارتكبت
أبشع الجرائم في حق الإنسانية مثل الجيش الأحمر الياباني و منظمة الألوية الحمراء
الإيطالية و منظمة بادر ماينهوف الألمانية و جيش الرب للمقاومة في أوغندا و تنظيم
القاعدة و تنظيم داعش الإرهابي، و كلها هي بناة أفكار الدول العظمى التي سعت لحل
مشكلة ببناء منظمات يصعب تفكيكها فيما بعد.
كما
شهد العصر الحديث خلال فترة الحرب العالمية الأولى و الحرب العالمية الثانية وقوع
أبرز عملية إرهاب دولي كاغتيال الملك الكسندر الأكبر، و شهدت هذه الحقبة تطوراً
ملحوظاً بتنفيذ العمليات الإرهابية و ظهور الإرهاب الدولي بمختلف أبعاده، و زيادة
التعاون بين الجماعات الإرهابية التي تربطهم مصالح مشتركة و أيضاً بين الدول التي
تدعم هذه الجماعات، مما دعا المجتمع الدولي بسبب التغير الذي طرأ على الأعمال
الإرهابية و نوعيتها و ضراوتها في هذه الحقبة الزمنية كان لابد من تحرك المجتمع
الدولي و التعاون الدولي من أجل مكافحة هذه الظاهرة التي أصبحت تمس أكثر من دولة،
وقد ظهرت بوادر ذلك التعاون الدولي أعقاب اغتيال ملك يوغسلافيا، ووزير خارجية
فرنسا في نيسان من العام 1934، و الذي تورطت فيه أربع دول، و قد ظهرت صور للإرهاب
الدولي جديدة لم تكن معروفة في السابق، مثل أخذ الرهائن و خطف الطائرات، و احتجاز
الشخصيات المهمة، الأمر الذي جعل المجتمع الدولي يكثف من جهوده للحد من ظاهرة
الإرهاب، فعقدت المؤتمرات، و تعددت المحاولات الدولية الثنائية و الجماعية لتحديد
هذه الظاهرة و محاولة تحجيمها، و ظلت مسألة الإرهاب الدولي و سبل التعاون بين
الدول لمكافحة هذه الظاهرة تطرح نفسها على جدول أعمال معظم المؤتمرات الدولية حتى
الوقت الراهن، مع الحفاظ على سياسية تطوير بيئات حاضنة للإرهاب بقصد و بغير قصد.
و
تعد الفترة اللاحقة للحرب العالمية الثانية نقطة التحول بين نوعين من الإرهاب،
الإرهاب المحلي المحدود الوسائل و الإمكانيات، و الذي لا يتعدى حدود الدولة في
الأغلب، كإرهاب الأقوياء ضد الضعفاء و إرهاب الضعفاء في مواجهة سلطة الأقوياء، و
بين الإرهاب عابر للدول و القارات، و الذي يستخدم فيه أحدث ما وصلت إليه
التكنولوجيا ووسائل الاتصال في العالم، و أصبحت المنظمات الإرهابية تستخدم الأسلحة
المتطورة في العمليات الإرهابية، وقد اختلفت الصورة اختلافاً كبيراً عن السابق،
فالدولة تستخدم الإرهاب ضد رعاياها و ضد دول أخرى لا تستطيع الدخول معها في حروب
طويلة، و أصبحت التنظيمات الإرهابية لديها القدرة على تهديدها لدول بأكملها، و
أصبح العالم كالقرية الصغيرة نتيجة التطور و التقدم التكنولوجي و تطور وسائل
الانتقال و الاتصالات الحديثة و هذا التقدم و التطور التكنولوجي قد استغل بشكل
كبير من قبل التنظيمات الإرهابية في الحصول على مبتغاها عن طريق التكنولوجيا
المتطورة المتاحة على وسائل الإعلام و أجهزة الحاسوب و الانترنت، و أقيمت على هذا
الأساس كيانات جديدة لمحاربة التهديد السيبراني، و العزو الالكتروني الافتراضي غير
المحسوب، و أصبح للصراع السياسي أشكالا و قواعد و قوانين جديدة لم تكن معروفة
سابقا، وتعاظم دور الإرهاب السياسي، فقد
ظهر نوع جديد من الإرهاب وهو بمثابة البديل للحروب يمتاز بأنه عابر لحدود و
للقارات ذو ايدولوجية محددة و مخططة، وقد يكون جزء من استراتيجية شاملة بهدف
الوصول إلى أهداف ضيقة النطاق، و لعل هنالك أسباب قد أدت إلى الانتشار الكبير
للأعمال الإرهابية و تغير الايدولوجية في نوعية و صور الإرهاب الدولي في العصر
الحديث، فقد سبب سقوط الشيوعية و تفرد الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة العالم
إلى زيادة الأعمال الإرهابية، بسبب شعور بعض الدول الموالية للنظام الشيوعي
بالظلم، و بسبب النظام العالمي الجديد
أحادي القطب و موقفه الضعيف من محاربة الإرهاب الذي يخدم مصالحه في معظم
الأحيان، و كذلك عجز مجلس الأمن الدولي من اتخاذ موقف قانوني و أخلاقي للانتهاكات لقواعد
القانون الدولي في العالم و الذي أدى للبحث عن بدائل للدفاع عن وجود بعض الفئات
المظلومة، ولعل استخدام الأعمال الإرهابية كبديل للحروب التقليدية بجميع الأحوال و
تعتبر الأسرع تأثيراُ للحصول على مكاسب و امتيازات سياسية، و كذلك عدم الحصول بعض
الشعوب على استقلالها لغاية الآن، و حرمانها من حق تقرير المصير رغم إجماع الكثير
من القرارات الدولية على هذا الحق و الصم عن الإرهاب الصهيوني و حمام الدم الذي ما
زال يسيل في أرض الرافدين في العراق و في سوريا و الأراضي اليمينية ، كما هو الحال
في ليبيا.

No comments