اللامعقول وحداثة الوعي 5
بقلم د. سامي محمود إبراهيم
هذا،
ويعد ميشيل فوكو كذلك من رواد مابعد الحداثة ، وقد اهتم كثيرا بمفهوم الخطاب
والسلطة والقوة ، حيث كان يرى أن الخطابات ترتبط بقوة المؤسسات والمعارف العلمية.
بمعنى أن المعارف في عصر ما تشكل خطابا يتضمن قواعد معينة يتعارف عليها المجتمع،
فتشكل قوته وسلطته الحقيقية. هذا، ولقد اهتم فوكو كثيرا بتحليل الخطاب ، ورفض
التقيد بالمناهج الجاهزة، واستعمال آليات مكررة ، واعتبرها بمثابة علبة للمفاتيح.
فالنص منفتح ومتعدد، لايمكن قراءته قراءة أحادية فقط. ويعني هذا أن فوكو يؤمن
بتعدد القراءات واختلافها من قاريء إلى
آخر.
ومن
جهة أخرى، اهتم جيل دولوز بالتعددية
والانفتاح على الآخر إدراكا وتفاعلا، حيث اعتبر الفلسفة بأنها فلسفة التعددية. ومن
ثم، فقد انتقد الهوية وفلسفة الواحد والتطابق.
بيد
أن من أهم سلبيات ما بعد الحداثة اعتمادها على فكرة التقويض والهدم والفوضى، إذ لا
تقدم للإنسان البديل الواقعي والثقافي والعملي، فمن الصعب تطبيق تصورات مابعد
الحداثة واقعيا لغرابتها وشذوذها. وبذلك، استهلكت مابعد الحداثة قدرتها
الإستراتيجية الفعالة في إبراز التحيزات المجحفة دون أن يكون لها موقف أخلاقي أو
سياسي أو اجتماعي. ويعجب المرء من المفارقة بين قوتها العدائية ضد التحيزات
والنهاية المحايدة التي تنجم عن مثل هذه الحرب الضروس. ولعل مثل هذه النهاية هي
التي دعت الكثير إلى توجيه أصابع الاتهام. فهناك من يقول: إن هذه السمة ذاتها هي
التي تجعل ما بعد الحداثة متواطئة مع الأشكال الشمولية القمعية التي تسعى إلى
الهيمنة والسيطرة والظلم الاجتماعي الاقتصادي. لاغرو والحالة هذه أن تدخل ما بعد
الحداثة مجال العلوم الإنسانية حديثا جدا،
وحتى هذا الدخول لم يتسم بالفعالية نفسها التي عرفتها في الفن والأدب والموسيقا
والاستعراضات المسرحية وغيرها من مشارب الحياة اليومية التي لايترتب عليها اتخاذ
قرارات حاسمة تمس حياة الإنسان مباشرة. ولعل المفارقة القارة التي تجعلها عاجزة هي
معاداتها للثنائية الضدية، إذ إن التضاد أساس المعرفة وأساس التحيز، وبدون التضاد
لايمكن معرفة ما إذا كان توجه ما أفضل من غيره. ولذلك، فإن دفاع مابعد الحداثة عن
الهامش جعلها تتقمص خصائصه، إذ انقلب على أهميتها، فأصبحت هامشية لا تغير من
الواقع شيئا. وككل هامشي، أصبحت مابعد الحداثة تتمنى أن يتحقق الوئام فجأة ، فتسود
العدالة، وتختفي الطبقية الهرمية، ويختلط المركز بالهامش، وتلغى الفوارق من غير
تحيز أو غاية. هذه هي الطوباوية التي تحلم بها كل المثاليات: حداثية كانت أو مابعد
حداثية.
ويلاحظ
أن نظرية مابعد الحداثة تقوض نفسها بنفسها ؛ نظرا لطابعها الفوضوي والعدمي
والعبثي. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر:" وقد اجتذبت مابعد الحداثة نقدا
إيجابيا وسلبيا على حد سواء. فيمكن أن ينظر إليها على أنها قوة محررة إيجابية
تزعزع استقرار الأفكار المسبقة عن اللغة وعلاقتها بالعالم، وتقوض جميع لغات الذات
التي تشير للتاريخ والمجتمع. ولكن تعد حقبة مابعد الحداثة أيضا أنها تقوض
افتراضاتها الخاصة، وتحجب جميع التفسيرات المترابطة. وبالنسبة للكثيرين تعد غير
مؤثرة وغير ملتزمة من الناحية السياسية.
الى
هذا الحد نجد أن مايهم الإنسان في واقعه العملي هو التأسيس والتأصيل، وليس التفكيك
والتقويض، مع السعي الجاد إلى البناء الهادف بدلا عن الانغماس في عوالم افتراضية
عبثية وعدمية وفوضوية.

ليست هناك تعليقات